أكدت دراسة حديثة أعدها المستشار عادل ماجد، نائب رئيس محكمة النقض، أن تنظيم الذكاء الاصطناعي قانونيًا لم يعد خيارًا مؤجلًا، بل أصبح ضرورة ترتبط مباشرة باعتبارات الأمن القومي وحماية السيادة الرقمية في الدولة الحديثة.
وجاءت الدراسة المنشورة في المجلة الدولية للفقه والقضاء والتشريع تحت عنوان نحو سياسة تشريعية متوازنة لتنظيم الذكاء الاصطناعي في مصر.
وأوضحت أن إصدار قانون ينظم الذكاء الاصطناعي في مصر بات ضرورة تشريعية تفرضها سرعة تطور هذه التقنيات، مع التأكيد على أن القانون يجب أن يصدر ضمن سياسة تشريعية متكاملة تحدد أهدافه ونطاقه والمخاطر التي يتعامل معها وآليات إعداده، إلى جانب مدى جاهزية البنية التشريعية لاستيعاب أحكامه.
ودعت الدراسة إلى إجراء تقييم شامل للآثار القانونية والاقتصادية والاجتماعية والتقنية المتوقعة قبل إصدار القانون، باستخدام أدوات قياس الأثر التشريعي والتنظيمي، وبمشاركة الخبراء وأصحاب المصلحة من مختلف التخصصات.
وأشار المستشار عادل ماجد إلى أن مخاطر الذكاء الاصطناعي لم تعد مقتصرة على الاستخدام غير المشروع لبعض التقنيات في الجرائم الرقمية مثل التزييف العميق ونشر المعلومات المضللة وانتهاك الخصوصية، بل امتدت إلى التأثير في الإدراك وإعادة تشكيل الوعي عبر تحليل البيانات الشخصية والتلاعب السلوكي المعرفي والتأثير على ما هو دون الوعي، بما قد يوجه سلوك الأفراد ويستهدف الفئات الأكثر عرضة للتأثر، ولا سيما الأطفال والشباب، بما ينعكس سلبًا على الهوية الوطنية والانتماء المجتمعي.
وأضافت الدراسة أن الأطر القانونية التقليدية لم تعد كافية لمواكبة هذه التطورات، وهو ما يستدعي تدخلًا تشريعيًا دقيقًا ومحدثًا يحقق التوازن بين تشجيع الابتكار وحماية الحقوق والحريات وصون الأمن الوطني.
كما لفتت إلى أن جانبًا كبيرًا من تقنيات الذكاء الاصطناعي يعتمد على خوارزميات تطورها وتديرها وتنظم قواعد استخدامها شركات عالمية لا تكترث بقواعد حوكمة أو تنظيم الذكاء الاصطناعي بقدر ما يهمها تحقيق الأرباح، الأمر الذي يثير تساؤلات تتعلق بالسيادة الرقمية وحماية الهوية الوطنية وضمان توافق استخدام هذه التقنيات مع مصالح الدولة والمجتمع.
وأشارت الدراسة إلى أن المنظومة التشريعية المصرية في مجال تنظيم الذكاء الاصطناعي لا تزال في مرحلة التكوين، إذ تعتمد أساسًا على أدوات مرنة غير ملزمة مثل الاستراتيجيات والوثائق الإرشادية، وهي أدوات تكرس أخلاقيات الاستخدام الآمن والمسؤول للذكاء الاصطناعي، ما يفتح المجال لبناء نموذج قانوني وطني ملزم ومتوازن يعكس احتياجات الدولة وخصوصيتها القانونية والاجتماعية والتنموية بدلًا من استنساخ النماذج الأجنبية أو اللحاق المتأخر بها.
كما حددت الدراسة الشروط الواجب توافرها قبل الشروع في صياغة القانون، والمبادئ الأساسية التي ينبغي أن يقوم عليها، والتخصصات والخبرات اللازمة لإعداده، إلى جانب الآليات الكفيلة بضمان مرونة التشريع وقدرته على مواكبة التطور التقني من دون الإخلال بمقتضيات الأمن القومي.
وأكد المستشار عادل ماجد أن وجود إطار قانوني واضح لتنظيم الذكاء الاصطناعي لم يعد ترفًا تشريعيًا أو خيارًا سابقًا لأوانه، بل أصبح ضرورة تفرضها اعتبارات الأمن القومي، كما يعد من العوامل المؤثرة في جذب الاستثمارات، ولا سيما في قطاعات التكنولوجيا المتقدمة، لما يوفره من قدر أكبر من اليقين القانوني والتنظيمي وما يعززه من ثقة في البيئة الرقمية، فضلًا عن دعمه توجه الدولة نحو التحول الرقمي والاقتصاد القائم على المعرفة.
واختتمت الدراسة بالتأكيد على أن التنظيم القانوني للذكاء الاصطناعي أصبح أحد المرتكزات الأساسية للسيادة الرقمية في الدولة الحديثة وأداة لحماية استقلال القرار الوطني في العصر الرقمي، في ظل التأثيرات العابرة للحدود لهذه التقنيات في الاقتصاد والأمن القومي والهوية والثقافة، مشددة على أن الدول التي تبادر إلى بناء أطر قانونية متماسكة وقابلة للتطوير ستكون الأقدر على توجيه مسار التكنولوجيا بما يتوافق مع قيمها ومصالحها الوطنية بدلًا من الاكتفاء بالتكيف مع قواعد ومعايير رقمية يضعها الآخرون.

