مع تصاعد التوترات في ممرات الطاقة العالمية، أصبح التركيز متجهًا نحو مضيق باب المندب الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن، حيث يعد أحد أهم شرايين التجارة العالمية، في ظل تفاقم الأوضاع الإقليمية بعد تعثر المفاوضات بين طهران وواشنطن، وقد برزت تطورات سريعة تتعلق بالممرات البحرية الحيوية، حيث اتجهت إيران إلى فرض رسوم مرور على السفن العابرة عبر مضيق هرمز، مما اعتُبر محاولة لإعادة توظيف موقعها الجغرافي كأداة ضغط اقتصادي في مواجهة العقوبات.
في المقابل، دفعت هذه التطورات الولايات المتحدة إلى اتخاذ إجراءات، شملت فرض حصار بحري على حركة الملاحة في المضيق، في محاولة لتقييد قدرة طهران على استخدام الممر كورقة تفاوضية، مما زاد من اضطراب أسواق الطاقة العالمية ورفع مستويات المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بإمدادات النفط، وقد أشارت تقارير إلى أن إيران لم تكتف بملف هرمز فقط، بل لوحت عبر شركاء إقليميين بقدرتها على التأثير في حركة الملاحة داخل مضيق باب المندب، باعتباره أحد أهم الممرات لتدفقات النفط والغاز عبر البحر الأحمر.
باب المندب وأهمية الإمدادات العالمية
بحسب إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، يعد مضيق باب المندب ممرًا حيويًا تمر عبره تدفقات النفط والغاز القادمة من الخليج العربي في طريقها إلى أوروبا والولايات المتحدة، سواء عبر قناة السويس أو خط سوميد، وتشير البيانات إلى أن نحو 5 إلى 6 ملايين برميل من النفط يوميًا تعبر هذا الممر، مما يمثل قرابة 9% من إجمالي النفط المتداول بحرًا عالميًا، بالإضافة إلى مرور نحو 8% من شحنات الغاز الطبيعي المسال، مما يجعله أحد أهم نقاط الاختناق في سوق الطاقة.
تزداد أهمية المضيق في ظل الاضطرابات الحالية، خاصة بعد تراجع تدفقات النفط عبر مضيق هرمز، حيث أوضحت وكالة الطاقة الدولية أن الحرب في الشرق الأوسط أدت إلى تعطّل ما يقارب 20 مليون برميل يوميًا من الإمدادات، مع خفض إنتاج دول الخليج بنحو 10 ملايين برميل يوميًا نتيجة صعوبات التصدير وامتلاء المخزونات، في هذا السياق، أصبح البحر الأحمر، وبالتبعية باب المندب، مسارًا أكثر أهمية لتعويض جزء من التدفقات المتعثرة، حيث لجأت دول مثل السعودية إلى نقل صادراتها عبر موانئ البحر الأحمر، وعلى رأسها ينبع.
تأثير التعطيل على الأسعار وتكاليف الشحن
في هذا الإطار، قال الدكتور ثروت راغب، أستاذ هندسة البترول والطاقة، إن مضيق باب المندب يمثل حلقة أساسية في مسار انتقال النفط والغاز من الخليج إلى الأسواق العالمية، موضحًا أن أي اضطراب في هذا المسار ينعكس مباشرة على تدفقات الطاقة، وأشار إلى أن حركة النفط تعتمد على المرور المتكامل عبر هرمز ثم باب المندب وصولًا إلى قناة السويس، مما يجعل أي خلل في أحد هذه الممرات مؤثرًا على المنظومة بالكامل.
تتسق هذه الرؤية مع ما تشير إليه تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، التي توضح أن إغلاق باب المندب قد يجبر ناقلات النفط على تغيير مسارها عبر رأس الرجاء الصالح، وهو طريق أطول يزيد زمن الرحلة بنحو أسبوعين، ويرفع تكاليف الشحن والتأمين بشكل ملحوظ، وأضاف راغب أن أي تأخير في المرور أو تعقيد الإجراءات داخل المضيق يؤدي إلى تقليص الكميات المارة عبر البحر الأحمر، مما يضغط على سلاسل الإمداد ويرفع تكلفة النقل، وبالتالي ينعكس على الأسعار النهائية للنفط.
سيناريوهات التصعيد وانعكاسها على السوق
من جانبه، قال الدكتور أحمد معطي، الخبير الاقتصادي، إن منطقة باب المندب تمثل نقطة حساسة في أي سيناريو تصعيدي، خاصة مع ارتباطها بالموانئ الخليجية وخطوط الإمداد الرئيسية، أوضح أن ما تشهده المنطقة حاليًا يظل في إطار التصعيد السياسي، لكنه أشار إلى أن تحول هذه التهديدات إلى إجراءات فعلية مثل إغلاق المضيق أو استهداف منشآت وموانئ نفطية قد يدفع أسعار النفط إلى القفز سريعًا لمستويات تتراوح بين 120 و130 دولارًا للبرميل.
وتابع أن اتساع نطاق التصعيد، أو استمرار تعطيل الإمدادات، قد يدفع الأسعار إلى مستويات أعلى تصل إلى 150 دولارًا، خاصة في ظل محدودية البدائل وصعوبة تعويض الكميات المتأثرة، وتعزز هذه التقديرات ما تشير إليه وكالة الطاقة الدولية من أن استمرار تعطل الإمدادات، حتى مع استخدام الاحتياطيات الطارئة التي تم ضخ نحو 400 مليون برميل منها في السوق، يظل عاملًا ضاغطًا على الأسعار، في ظل محدودية القدرة على تعويض الإمدادات المفقودة بسرعة.
في ظل ترابط هذه الممرات، فإن أي اضطراب في باب المندب لا يمثل أزمة منفصلة، بل حلقة ضمن سلسلة ممتدة من الاختناقات التي تعيد تشكيل تدفقات الطاقة، وتدفع الأسواق إلى تسعير المخاطر بشكل أوسع، مما ينعكس على الأسعار وتكاليف النقل عالميًا.
اقرأ أيضًا:
أوبك: انخفاض إنتاج النفط بـ 7.7 مليون برميل يوميًا في مارس، فما السبب

