تسعى الحكومة المصرية لسداد نحو 750 مليون دولار من مستحقات شركات النفط العالمية قبل نهاية الربع الأول من عام 2026، بهدف تسوية المديونيات المتراكمة وتعزيز مناخ الاستثمار في قطاع الطاقة، الذي تأثر بالضغوط التمويلية في السنوات الماضية.
تأتي هذه الخطوة ضمن جهود أوسع لإعادة هيكلة قطاعي النفط والغاز، كما أشار تقرير حديث لشركة ريستاد إنرجي المتخصصة في أبحاث الطاقة.
يشير التقرير إلى أن قطاع الطاقة المصري يشهد إعادة هيكلة عميقة، مدفوعة بإصلاحات تستهدف معالجة تأخر المستحقات، وإعادة تسعير الغاز، وتوسيع الشراكات مع الشركات العالمية، مما ساعد على استعادة ثقة المستثمرين وعودة الاستقرار النسبي للإنتاج، لتصبح مصر واحدة من الوجهات الجاذبة للاستثمار الطاقي في أفريقيا.
تتبنى الحكومة نهجًا استباقيًا في إدارة القطاع، يوازن بين الحفاظ على معدلات الإنتاج الحالية وتسريع وتيرة البحث عن اكتشافات جديدة، رغم التحديات الناتجة عن تراجع إنتاج بعض الحقول الكبرى، مثل حقل ظهر.
تسوية المستحقات.. مفتاح العودة للاستثمار
يمثل التعامل مع ملف المديونيات حجر الأساس في هذا التحول، حيث ساهمت خطة مالية ممتدة حتى أوائل 2026 في خفض مستحقات الشركاء الأجانب بشكل تدريجي خلال عام 2025، بعد أن بلغت نحو 6.5 مليار دولار في بدايته.
نفذت الحكومة عدة دفعات منتظمة خلال العام، شملت 1.2 مليار دولار في مايو، ومليار دولار في يوليو، ونحو 500 مليون دولار في سبتمبر، مع خطة لسداد 750 مليون دولار إضافية على مرحلتين خلال الربع الأول من 2026.
هذا المسار المنظم خفف الضغوط المالية على الشركات وأعاد فتح شهية الاستثمار، خاصة في أنشطة الحفر، مما يدعم تحقيق نمو مستدام في الإنتاج.
يؤكد التقرير أن هذه السياسة المالية مكنت مصر من الانتقال إلى نموذج شراكة أكثر مرونة مع الشركات العالمية، بعيدًا عن الصيغ التعاقدية الجامدة، حيث أبدت الحكومة استعدادها لإعادة النظر في آليات تسعير الغاز ودمج بعض اتفاقيات الامتياز لتحسين الجدوى الاقتصادية للمشروعات.
عالجت مصر مخاوف شركات تشغيل الغاز البري بشأن ثبات الأسعار عبر تطبيق نظام تسعير تدريجي، مع توقعات بارتفاع متوسط سعر الغاز لشركة أباتشي إلى 3.58 دولارات لكل ألف قدم مكعب في 2025.
انتعاش النشاط البري وتوسع البحري
شهدت أنشطة الإنتاج البري تحسنًا ملحوظًا، حيث سجلت شركة APA زيادة ربع سنوية في الإنتاج، متجاوزة متوسط عام 2024، لتصل إلى نحو 515 مليون قدم مكعب يوميًا.
أطلقت دانة غاز برنامجًا استثماريًا بقيمة 100 مليون دولار لحفر ما يصل إلى 11 بئرًا، بينما شهد نشاط البحث البحري قفزة واضحة، حيث وقعت بي بي اتفاقيات مع إيجاس لحفر ما يصل إلى خمس آبار في البحر المتوسط.
مصر في صدارة جولات التراخيص
يؤكد التقرير أن مصر تحتل المرتبة الخامسة عالميًا منذ 2020 من حيث عدد جولات التراخيص المكتملة، وتتصدر المشهد خلال الفترة 2025-2026 بفضل الجولات المطروحة والمخطط لها.
يعتمد هذا التفوق على مزيج من جولات الاستكشاف البحري، خاصة في البحر الأحمر، وبرنامج المناطق المفتوحة الذي يوفر فرصًا استثمارية مستمرة.
الإنتاج والطاقة المتجددة
استقر إنتاج الغاز الطبيعي عند نحو 3.5 مليار متر مكعب شهريًا خلال الربع الأخير من 2025، مع انخفاض متوسط واردات الغاز المسال مقارنة بعام 2024.
تشير سيناريوهات ريستاد حتى 2040 إلى تحول تدريجي في مزيج الطاقة، مع زيادة مساهمة المصادر المتجددة إلى 24% بحلول 2030، مع توقعات بارتفاع حصة الطاقة المتجددة إلى 46% في السيناريو المتفائل، ما يخفف الطلب المحلي على الغاز.
يخلص التقرير إلى أن نموذج إدارة الطاقة في مصر، القائم على تسوية الديون، ومرونة التسعير، والتحول الرقمي، يمثل تجربة قابلة للتكرار إقليميًا، ويعزز موقع البلاد كمركز محوري للطاقة في شرق المتوسط.

