شيع جثمان المخرج والكاتب الراحل الدكتور أحمد عاطف درة، مدير تحرير جريدة الأهرام، إلى مثواه الأخير عقب صلاة الجنازة التي أقيمت الثلاثاء بمسجد الشرطة بالشيخ زايد، حيث خيمت أجواء من الحزن والأسى على الحضور، وقد شهدت الجنازة حضورًا لافتًا من عائلة الفقيد وأصدقائه المقربين، بالإضافة إلى شخصيات عامة ورياضية، مما يعكس المكانة الرفيعة التي كان يتمتع بها الراحل في مختلف الدوائر المجتمعية، كونه شخصية دمثة الخلق وموسوعية الثقافة تركت بصمة واضحة في كل مجال طرقه.

المسيرة السينمائية والدرامية للراحل

قدم المخرج الراحل أحمد عاطف درة خلال مسيرته الفنية عددًا من الأعمال السينمائية الهامة التي تميزت بتنوع موضوعاتها وجرأتها في طرح القضايا الاجتماعية المعاصرة، حيث لفت فيلم “عمر 2000” الأنظار كمخرج صاحب رؤية مغايرة، بالإضافة إلى فيلم “إزاي تخلي البنات تحبك”، كما ناقشت أعماله قضايا الواقع ببراعة مثل فيلم “الغابة” و”قبل الربيع” و”باب شرقي”، ولم تقتصر إبداعاته على الشاشة الكبيرة فحسب، بل امتدت لتشمل الدراما التليفزيونية من خلال مسلسل “ستات قادرة”، الذي حقق نجاحًا جماهيريًا كبيرًا بتناوله لقضايا المرأة وصراعها في المجتمع بشكل إنساني واجتماعي عميق، مما جعله واحدًا من المخرجين الذين يدركون تمامًا كيفية ملامسة وجدان المشاهد المصري والعربي.

الإرث الصحفي والنقدي للفقيد

إلى جانب تميزه في عالم الإخراج، كان الدكتور أحمد عاطف درة ناقدًا فنيًا وكاتبًا صحفيًا بارزًا في مؤسسة الأهرام، حيث شغل منصب مدير التحرير وأسهم عبر سنوات طويلة بمقالاته النقدية العميقة في إثراء الحركة الثقافية في مصر، وامتلك قدرة تحليلية متميزة تمكنه من قراءة الأعمال الفنية من زوايا مختلفة، فجمع بين الممارسة العملية للإخراج والتنظير النقدي الواعي، وهو ما جعل آراءه محل تقدير واحترام من زملائه المبدعين والنقاد على حد سواء، وكان يحرص دومًا على دعم المواهب الشابة وتقديم قراءات فنية تهدف إلى الرقي بالذوق العام والحفاظ على هوية السينما المصرية كقوة ناعمة رائدة في المنطقة العربية.

أبرز أعمال المخرج أحمد عاطف درة

تتنوع قائمة أعمال الراحل لتعكس شغفه بالتجريب وتقديم ما هو جديد، حيث كان له حضور في تقديم الرؤى الدرامية التي تناقش التحولات المجتمعية، ويعتبر فيلم “الغابة” من المحطات الفاصلة في تاريخه السينمائي حيث سلط الضوء على فئات مهمشة بأسلوب سينمائي واقعي، كما أن مسلسل “ستات قادرة” أثبت قدرته على إدارة البطولة الجماعية النسائية وتقديم دراما اجتماعية مشوقة وهادفة في آن واحد، إن هذا التنوع في الإنتاج الفني بين السينما والدراما والصحافة جعل من أحمد عاطف درة “مثقفًا شاملًا” يصعب تكراره، حيث كان يرى أن الفن والصحافة وجهان لعملة واحدة هدفها التنوير والارتقاء بالمجتمع ومناقشة أوجاعه وآماله بصدق.

كلمة أخيرة في وداع المبدع الراحل

رحيل الدكتور أحمد عاطف درة يترك فراغًا كبيرًا في وجدان محبيه وتلاميذه في بلاط صاحبة الجلالة وفي بلاتوهات التصوير، فقد كان نموذجًا للفنان الملتزم والكاتب الشريف الذي لم يتخل يومًا عن مبادئه المهنية، وتأتي مراسم العزاء المقررة يوم الخميس في الشيخ زايد لتكون فرصة أخيرة لزملاء الكفاح وتلاميذه لتقديم واجب العزاء لأسرة فنية فقدت عمودًا من أعمدتها، ولعل أفضل تكريم للراحل هو الاستمرار في تسليط الضوء على أعماله الفنية ومقالاته النقدية التي ستظل مرجعًا ملهمًا للأجيال القادمة من السينمائيين والصحفيين، رحم الله الفقيد وألهم أسرته ومحبيه الصبر والسلوان، وستظل ذكراه خالدة بما قدمه من فن راق وفكر مستنير خدم به وطنه ومهنته بكل حب وإخلاص.