بينما يواجه الاقتصاد المصري ضغوطًا متزايدة نتيجة فاتورة طاقة تقترب من 20 مليار دولار سنويًا، تتعقد الأزمة مع تزايد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، مما يضع الحكومة أمام تحدٍ حقيقي يتمثل في كيفية تأمين احتياجاتها من الطاقة دون أن تتحول هذه الفاتورة إلى عبء دائم يؤثر على الموازنة والنمو.

فاتورة ضخمة.. والكهرباء تلتهم النصيب الأكبر

كشف الرئيس عبد الفتاح السيسي عن أن مصر تستهلك منتجات بترولية بقيمة تقارب 20 مليار دولار سنويًا، وهو ما يعادل نحو تريليون جنيه، حيث يذهب الجزء الأكبر من هذه المنتجات لتشغيل محطات الكهرباء بدلاً من قطاع النقل كما هو معتاد، خلال حفل إفطار الأسرة المصرية الذي أقيم بدار القوات الجوية، أشار إلى أن الدولة تتحمل جزءًا كبيرًا من هذه التكلفة، محذرًا من أن تحميل المواطنين السعر الحقيقي قد يرفع فاتورة الكهرباء إلى أربعة أضعاف دون تحقيق أرباح للدولة، مما يعكس حجم الدعم الضمني الذي تتحمله الموازنة، على الجانب الآخر، تراهن الحكومة على تسريع التحول نحو الطاقة النظيفة، مستهدفةً رفع مساهمة الطاقة المتجددة إلى 42% من مزيج الطاقة بحلول عام 2030، مع إمكانية تجاوز هذا الهدف.

حرب الطاقة العالمية تضاعف الضغوط

تأتي هذه التحديات في وقت تتزايد فيه اضطرابات سوق الطاقة العالمي، إذ كشفت تقارير لصحيفة “نيويورك تايمز” عن تضرر ما لا يقل عن 39 منشأة طاقة في 9 دول نتيجة الهجمات المرتبطة بالتصعيد العسكري في المنطقة، في ظل هذه الظروف، يظل مضيق هرمز أحد أخطر نقاط الاختناق، حيث يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط والغاز عالميًا، ومع تصاعد التوترات، شهد الممر اضطرابات أدت إلى تكدس السفن وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، رغم التحذيرات من اضطرابات قد تكون الأكبر منذ جائحة كورونا، فإن الخطر لا يكمن فقط في نقص الإمدادات، بل في استمرار ارتفاع الأسعار لفترات طويلة، مما يضغط على الدول المستوردة، وفي مقدمتها مصر.

من الاكتفاء إلى الفجوة.. أين المشكلة؟

في هذا السياق، قال الدكتور ثروت راغب، أستاذ هندسة البترول والطاقة، إن خفض فاتورة الاستيراد يتطلب معالجة جذرية تبدأ بزيادة الإنتاج المحلي، أوضح أن مصر كانت قد حققت اكتفاءً ذاتيًا من الغاز الطبيعي عندما بلغ الإنتاج نحو 7.2 مليار قدم مكعب يوميًا مقابل استهلاك 6.5 مليار، قبل أن يتراجع الإنتاج إلى نحو 4.1 مليار قدم مكعب متأثرًا بانخفاض إنتاج بعض الحقول، وعلى رأسها حقل ظهر، مما أدى إلى فجوة تتجاوز 2 مليار قدم مكعب يوميًا يتم تعويضها عبر الاستيراد، رغم ذلك، يرى راغب أن إجراءات ترشيد الاستهلاك، رغم ضرورتها، لا تمثل حلًا كافيًا، مؤكدًا أن زيادة الإنتاج تظل العامل الحاسم في تقليص الفاتورة.

حلول مزدوجة.. إنتاج أكبر وهيكل جديد للطاقة

يشدد راغب على أن الحل يتحرك عبر مسارين متوازيين؛ الأول التوسع في البحث والاستكشاف وطرح مزايدات جديدة لجذب الاستثمارات، والثاني تعظيم الإنتاج من الحقول القائمة باستخدام تقنيات حديثة مثل الحفر الأفقي والآبار المائلة، رغم الأهمية الكبيرة لهذه التقنيات، لا يزال استخدامها محدودًا، مما يعني وجود فرصة سريعة لرفع الإنتاج دون اكتشافات جديدة، في الوقت نفسه، يدعو إلى فتح ملف الموارد غير التقليدية، مثل الغاز والنفط الصخري، مستندًا إلى تجارب دولية نجحت في تحويل هذه الموارد إلى رافعة إنتاجية، كما يرى أن سداد مستحقات الشركاء الأجانب يمثل خطوة إيجابية لتحفيز الاستثمارات وجذب شركات عالمية تمتلك التكنولوجيا اللازمة.

تنويع الطاقة.. من الكهرباء إلى القيمة المضافة

بالتوازي، يبرز خيار إعادة هيكلة مزيج الطاقة عبر التوسع في الطاقة الشمسية والرياح والهيدروجين الأخضر لتقليل الاعتماد على الغاز في توليد الكهرباء، ولا يتوقف الأمر عند ذلك، إذ يشير راغب إلى أهمية إعادة توجيه الغاز نحو الصناعات ذات القيمة المضافة، مثل البتروكيماويات، بدلًا من استهلاكه في إنتاج الكهرباء، بما يعزز العائد الاقتصادي ويخفف الضغط على الاستيراد.

السوق الفورية.. عبء إضافي غير محسوب

من جانبه، قال الدكتور مدحت يوسف، نائب رئيس هيئة البترول الأسبق، إن الضغوط الحالية على فاتورة الطاقة ترتبط بشكل مباشر بتطورات الأوضاع الجيوسياسية، أوضح أن التأثير ينقسم إلى شقين؛ الأول يتعلق بواردات النفط ومشتقاته، والثاني بواردات الغاز الطبيعي المسال، مشيرًا إلى أن اعتماد مصر على السوق الفورية زاد من حدة الضغوط، رغم أن هذه السوق توفر مرونة في الإمدادات، فإنها تربط الأسعار بالتقلبات اليومية، مما يفرض التزامات مالية فورية ويزيد العبء على الموازنة مقارنة بالتعاقدات طويلة الأجل التي كانت توفر استقرارًا نسبيًا، في ظل هذه المعطيات، يظل مستقبل فاتورة الطاقة في مصر مرهونًا بعاملين رئيسيين: سرعة استعادة الإنتاج المحلي ومسار التوترات الجيوسياسية في المنطقة