توقف إمدادات الغذاء.. السيناريو الأسوأ

كتب : علي محمود

.. مثل الموجات الارتجاجية الناتجة عن الزلازل، هكذا صارت الأزمة الاقتصادية العالمية تضرب في أركان اقتصاديات الدول.. لا تفرق بين كبير ولا صغير.. بين اقتصاد قوي وآخر ضعيف، بل تحولت إلى تسونامي مدمر لقوت الشعوب، عبر ارتفاعات قياسية في الأسعار وانخفاضات غير مسبوقة في إمدادات السلع والمنتجات.

صور الأزمة توثقها الأرفف الخاوية في محلات أوروبا، ومشاهد الخطر تطل برأسها بين طوابير البشر اللاهثة وراء الغذاء، في الدول النامية.. الأزمة سوف تمتد والتداعيات سوف تشتد والمخاطر سوف تحتد.. هكذا تقول المؤشرات وتؤكد البيانات، فالحرب الروسية – الأوكرانية التي حركت الزلزال، وأيقظت بركان التضخم لن تتوقف رحاها في القريب؛ بل ربما تمتد لسنوات وفق تقديرات أجهزة استخبارية أمريكية وأوروبية، فقد أرادوها حربًا لاستنزاف روسيا وإنهاكها اقتصاديًا وكسر شوكتها عسكريا.

أمس طلب الرئيس الأمريكي جو بايدن من الكونجرس ما قال إنه مساعدات إضافية لتسليح أوكرانيا بقيمة 33 مليار دولار، يضاف إليها مساعدات أخرى تتدفق على أوكرانيا من أوروبا، وبالطبع كل هذه الأسلحة سوف تطيل أمد الحرب، وتمنح الجيش الأوكراني فرصة الصمود والمقاومة الطويلة.

ولا شك أن سيناريو إطالة أمد الحرب سيؤدي أولا إلى خروج روسيا من قائمة الدول الست الكبرى اقتصاديًا بحلول عام 2024، كما قال صندوق النقد، وانهيار اقتصاد أوكرانيا التي تحتاج إلى عقود لإعادة البناء.. وباعتبار أن هاتين الدولتين من أكبر مصدري الطاقة والحبوب في العالم، فإن النتيجة الحتمية التي بدأت بالفعل حدوث أزمة غذاء عالمية.

والمؤكد أن العالم -حين تضع هذه الحرب أوزارها- سيشهد تغييرات كبرى، بمعنى أدق ستتغير موازين القوى الاقتصادية بل والسياسية، وأن الضغوط الاقتصادية التي يعيشها العالم -بفعل التضخم والركود الحالي والممتد- سوف تعصف باقتصاديات دول كثيرة، بل ستغير مفاهيم ومبادئ دولية في العلاقات بين الدول، ففي ألمانيا ودول أوروبية أخرى يجري حاليًا تغيير العقيدة السياسية والاقتصادية، بعد أن وجدت هذه الدول أنها مهددة في مستقبلها بسبب اعتمادها على الغاز الروسي كمصدر للطاقة، وبالتالي أصبحت مجبرة لأن تبحث عن بدائل تكسر بها هذا الاحتكار.

حدة الأزمة وتداعياتها جعلت بعض المحللين يطالبون الدول بتطبيق سياسات وإجراءات “اقتصاد الحرب” للتخفيف من وطأة التداعيات وشدة الأزمات المتوقعة في العالم.. فقد حذر صندوق النقد الدولي في تقرير له قبل أيام من تراجع معدلات النمو العالمي وزيادة تداعيات التضخم على العديد من الدول، بينما قال مدير المنظمة العربية للتنمية الزراعية إبراهيم الدخيري في حوار اليوم لصحيفة الشرق الأوسط، إن قضية الأمن الغذائي العربي في خطر؛ بسبب وجود احتمالات متنامية بتوقف إمدادات الغذاء؛ نتيجة أن دولًا أوروبية تدرس الاستحواذ على المواد الغذائية؛ لتجنب حدوث أزمات لديها، فقد قامت دول في أوروبا مثل ألمانيا بحث مواطنيها على تخزين السلع الغذائية والأدوية بالمنزل، بينما قامت بريطانيا باتخاذ إجراءات صارمة لبيع السلع الغذائية، وتوجيه المستهلكين لشراء كميات محددة من احتياجاتهم وسط مخاوف بتقلص إمدادات الغذاء وارتفاع قياسي جديد في الأسعار.

ولم تكن أوروبا وحدها التي تفكر في الاستحواذ الغذائي، فقد قامت إندونيسيا -أكبر مصدر للزيوت في العالم- بتعليق صادراتها، وهو القرار الذي رفع سعر زيت النخيل الخام في البورصات العالمية بنحو عشرة في المائة الأربعاء الماضي، قبل بدء الحظر المفروض الذي حددته السلطات الإندونيسية بالخميس الماضي، وسط توقعات بارتفاعات سعرية جديدة في الأسواق الدولية أكثر حدة.

يقينًا، إن تداعيات الأزمة الاقتصادية بدون تهويل أو تهوين تتطلب مواجهة مسئولة، وتعاملًا مدروسًا للحد من آثارها، وإن هذه المواجهة تبدأ من الفرد نفسه، ثم تتصاعد إلى الحكومات والأجهزة المعنية المنوط بها اتخاذ القرارات ووضع السياسات التي تحافظ على مكونات الاقتصاد وتوفر له فرص امتصاص الصدمات.

وأحسب أن تغييرًا في ثقافة الاستهلاك لدى المواطن بات ضروريًا، بل ربما يكون إجباريًا في ظل هذه الظروف التي لا أحد يعلم حجم التداعيات وقوة هذه المخاطر ومدتها، ثم إن صناع القرار تقع عليهم مسئولية وطنية في صياغة سياسات تقشفية تحد من حجم الإنفاق الحكومي، وتتعاطى مع التحديات الراهنة، مع إعادة النظر في الأولويات.

واعتقد أن الحكومة المصرية تقوم حاليًا بإعداد حزمة من السياسات الاقتصادية التي توفر الضمانات اللازمة للاقتصاد المصري؛ للخروج من هذه الأزمة بأقل الخسائر، وتحافظ بها على ما تحقق من مكتسبات اقتصادية، كانت لها مفعولها في امتصاص صدمة تداعيات كورونا، ولا شك أن الدولة التي نجحت في تأمين احتياجات مواطنيها من السلع الغذائية خلال الفترة الماضية قادرة على الخروج من هذه الأزمة.

المصدر : بوابة الأهرام

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.