أعلنت اللجان التي تم تشكيلها بقرار من المحافظين عن الانتهاء من حصر كافة الوحدات السكنية الخاضعة لقانون الإيجار القديم في كل محافظة على حدة مما يعكس خطوة استراتيجية تهدف إلى تنظيم العلاقة الإيجارية وتحقيق التوازن بين الملاك والمستأجرين حيث عملت هذه اللجان على مدى ثلاثة أشهر متواصلة لتقسيم المناطق إلى ثلاث فئات رئيسية تشمل الفئة المتميزة والمتوسطة والاقتصادية ويأتي هذا التصنيف بناءً على المعايير المنصوص عليها في التعديلات القانونية الأخيرة التي تسعى لوضع قيمة إيجارية عادلة تتماشى مع المتغيرات الاقتصادية الحالية ومعدلات التضخم مع الحفاظ على البعد الاجتماعي للأسر المقيمة في تلك الوحدات وقد تم التنسيق بين مختلف الجهات التنفيذية ووحدات الإدارة المحلية لضمان دقة البيانات الميدانية التي تم جمعها وتفريغها في تقارير نهائية تمهيدًا لصدور القرارات الرسمية من المحافظين لإعلان النتائج للرأي العام وتطبيق الزيادات المقررة وفق الجداول الزمنية المحددة من الحكومة.
تعتبر هذه المرحلة من أهم مراحل حسم ملف الإيجار القديم في مصر حيث أنها تنقل الملف من مرحلة الدراسات النظرية إلى مرحلة التطبيق الفعلي على أرض الواقع من خلال قاعدة بيانات دقيقة توضح طبيعة كل عقار وحالته الإنشائية وموقعه الجغرافي وبحسب التقارير الصادرة فإن اللجان لم تكتفِ بالحصر العددي فقط بل أجرت معاينات دقيقة للمناطق السكنية لضمان وضع كل عقار في فئته الصحيحة مما يمنع أي تلاعب أو تقديرات جزافية قد تضر بأحد طرفي العلاقة الإيجارية إن هذا المجهود الذي استغرق مدة ثلاثة أشهر يمثل حجر الزاوية في بناء منظومة عقارية جديدة تتسم بالشفافية والوضوح وتنهي حالة الجمود التي سادت هذا الملف لفترات طويلة حيث سيصبح لكل منطقة قيمة إيجارية استرشادية ملزمة يتم الرجوع إليها عند تطبيق الزيادات السنوية أو عند تجديد العقود وفق الضوابط القانونية الجديدة التي أقرتها الدولة لضمان استقرار السوق العقاري وحماية الحقوق الدستورية للمواطنين في سكن كريم وآمن.
معايير تقييم الوحدات السكنية وتصنيفها
اعتمدت اللجان في عمليات التقييم الفني والميداني على مجموعة متكاملة من المعايير الموضوعية التي تضمن تصنيف العقارات بعدالة وشفافية حيث كان الموقع الجغرافي للعقار وطبيعة الشارع الذي يقع فيه هو العامل الأول في تحديد الفئة فالمناطق الحيوية والميادين الرئيسية تختلف في قيمتها السوقية عن الشوارع الجانبية أو المناطق المتطرفة كما دخل مستوى البناء ونوعية مواد البناء المستخدمة في التشييد كعنصر حاسم في التقييم لتمييز العقارات ذات الطراز المعماري الفريد أو الأبنية الحديثة نسبيًا عن العقارات المتهالكة أو البسيطة بالإضافة إلى ذلك تم وضع متوسط مساحات الوحدات السكنية داخل العقار الواحد في الاعتبار حيث أن المساحات الواسعة تمنح العقار ميزة إضافية ترفع من تصنيفه ضمن الفئات الثلاث المذكورة مما يجعل عملية التقييم شاملة لكافة الجوانب المادية والإنشائية التي تؤثر بشكل مباشر على القيمة السوقية والإيجارية للوحدة السكنية الخاضعة للقانون.
لم يقتصر التقييم على الهيكل الخارجي والموقع فقط بل امتد ليشمل جودة الحياة والخدمات المتوفرة في المنطقة المحيطة بالعقار حيث رصدت اللجان مدى توافر المرافق الأساسية المتصلة بالعقار من مياه شرب وصرف صحي وكهرباء وغاز طبيعي وخطوط تليفونات أرضية كما تم تقييم شبكة الطرق ووسائل المواصلات المتاحة ومدى قرب العقار من الخدمات الصحية والاجتماعية والتعليمية مثل المستشفيات والنوادي والمدارس وهي كلها عوامل ترفع من القيمة الاستثمارية للمنطقة وتضعها ضمن الفئات المتميزة أو المتوسطة وفي سياق متصل تم الربط بين هذه المعايير وبين القيمة الإيجارية السنوية للعقارات المبنية الخاضعة لقانون الضريبة على العقارات المبنية رقم 196 لسنة 2008 لضمان وجود مرجعية ضريبية وقانونية موحدة تعزز من مصداقية النتائج النهائية التي توصلت إليها اللجان وتجعلها غير قابلة للطعن أو التشكيك أمام الجهات المختصة.
الإعلان الرسمي ونشر النتائج بالوقائع المصرية
بعد اكتمال أعمال الحصر والتقييم في كافة المحافظات وتجهيز التقارير النهائية التي تضمنت تصنيف المناطق وتحديد القيمة الإيجارية المقترحة لكل وحدة سكنية دخلت العملية مرحلة الاعتماد القانوني تمهيدًا لإصدار قرارات المحافظ المختص بالإعلان الرسمي عنها وتطبيقها ومن المقرر أن يتم نشر كافة نتائج التقييم والتصنيفات في جريدة الوقائع المصرية لضمان صبغتها الرسمية والتعريف بها على أوسع نطاق ممكن كما سيتم إعلان هذه النتائج بشكل تفصيلي داخل وحدات الإدارة المحلية ومجالس المدن والأحياء ليتسنى للمواطنين من ملاك ومستأجرين الاطلاع عليها ومعرفة الفئة التي يندرج تحتها عقارهم والقيمة الإيجارية الجديدة المقررة لهم وتعد هذه الخطوة بمثابة إرساء لقواعد الشفافية التي تنتهجها الدولة في التعامل مع الملفات الشائكة حيث يصبح المسند الرسمي هو المرجع الوحيد لحل أي نزاعات قد تنشأ حول قيمة الزيادة المقررة مما يقلل من اللجوء للقضاء ويوفر الوقت والجهد على كافة الأطراف.
إن نشر هذه النتائج في الوقائع المصرية يمنحها قوة القانون ويجعلها ملزمة للتطبيق الفوري بمجرد صدور القرار الوزاري أو المحافظي المنظم لذلك وهو ما يعكس جدية الحكومة في إنهاء أزمة الإيجار القديم وفق جدول زمني محكم لا يقبل التأجيل ويهدف الإعلان في الوحدات المحلية إلى تيسير وصول المعلومات للمواطنين البسطاء الذين قد لا يتابعون الجرائد الرسمية بشكل يومي لضمان معرفة الجميع بحقوقهم وواجباتهم في ظل النظام الإيجاري الجديد ومن المتوقع أن تشهد الفترة القادمة حركة كثيفة داخل مكاتب الشهر العقاري والوحدات المحلية لتوثيق الأوضاع الجديدة بناءً على هذه التقارير التي تعد بمثابة شهادة ميلاد جديدة لسوق الإيجارات القديمة في مصر بما يضمن الحفاظ على الثروة العقارية القومية وتنميتها وحمايتها من التدهور نتيجة تدني القيم الإيجارية التي كانت سائدة في الماضي ولم تكن تكفي لأعمال الصيانة الدورية للعقارات.
الحماية القانونية لمالك العقار والمستأجر
يهدف هذا التحرك الحكومي الواسع إلى إيجاد مخرج قانوني عادل يحمي حقوق الملاك الذين تضرروا لسنوات طويلة من ثبات القيمة الإيجارية رغم ارتفاع تكاليف المعيشة والصيانة وفي الوقت ذاته يضمن للمستأجرين عدم التعرض لزيادات عشوائية أو طرد تعسفي من وحداتهم السكنية حيث أن تحديد القيم الإيجارية بناءً على تصنيفات دقيقة ومعايير فنية واضحة يمنع استغلال أي طرف للآخر ويجعل الزيادة مرتبطة بجودة وموقع ومرافق الوحدة السكنية فعليًا كما أن هذا النظام الجديد يساهم في تشجيع الملاك على إجراء عمليات الترميم والصيانة الضرورية للعقارات بعد تحسن العائد المادي منها مما يطيل من عمر العقار ويحمي أرواح السكان من مخاطر الانهيارات التي كانت تهدد العقارات القديمة بسبب إهمال صيانتها ووفقًا للخبراء فإن هذه الخطوة ستؤدي على المدى البعيد إلى تنشيط حركة تداول الوحدات السكنية القديمة وإعادة طرحها في السوق مرة أخرى مما يزيد من المعروض ويساهم في خفض أسعار العقارات بشكل عام نتيجة استغلال الوحدات المغلقة التي كان يفضل أصحابها تركها دون استفادة خوفًا من القوانين القديمة.
بناءً على ما تقدم فإن استكمال أعمال لجان الحصر والتقييم يمثل انتصارًا لمنطق القانون والعدالة الاجتماعية التي تسعى الدولة لترسيخها في الجمهورية الجديدة حيث تم مراعاة كافة التفاصيل الدقيقة بدءًا من نوع مواد البناء وصولًا إلى القرب من شبكات المواصلات والخدمات الصحية لضمان أن تكون الزيادة المقررة منطقية ومقبولة ومبنية على أسس علمية وواقعية ومع اقتراب موعد الإعلان الرسمي في الوقائع المصرية يتطلع الجميع إلى مرحلة جديدة من الاستقرار العقاري تنهي صراعات دامت لأكثر من نصف قرن وتفتح الباب أمام استثمارات جديدة في قطاع العقارات القديمة التي تمتلك مواقع استراتيجية في قلب المدن المصرية الكبرى وهو ما سيعود بالنفع في النهاية على الاقتصاد القومي وعلى جودة حياة المواطن المصري الذي يطمح دائمًا للأفضل في مسكنه وبيئته المحيطة.

