شهدت احتفالية ليلة القدر الكبرى لعام 2026، التي حضرها الرئيس عبد الفتاح السيسي، لحظة تاريخية بطلها القارئ الشاب محمد كامل، الذي نجح في انتزاع لقب الموسم الأول من برنامج “دولة التلاوة” في فرع التجويد، ويعتبر هذا الإنجاز نتاج رحلة طويلة من الاجتهاد بدأت من قرى محافظة الشرقية.

نشأ محمد كامل في بيئة محافظة ملتزمة ساهمت بشكل كبير في تشكيل هويته الإيمانية والقرآنية، يبلغ من العمر 23 عامًا، وهو حاليًا طالب في الفرقة الرابعة بكلية أصول الدين والدعوة بالزقازيق، وقد أثار انتباه الجميع منذ اللحظات الأولى لانطلاق البرنامج الذي حقق نسب مشاهدات عالمية فاقت التوقعات، حيث استطاع كامل أن يمزج بين قوة الصوت وعذوبته مع التزام دقيق بأحكام التجويد التي تلقاها عن كبار المشايخ، مما جعله جديرًا بهذا اللقب الرفيع وتكريمه من أعلى سلطة في الدولة المصرية، تأكيدًا على ريادة مصر المستمرة في رعاية وتصدير الأصوات القرآنية المتميزة للعالم الإسلامي أجمع.

المسيرة العلمية لمحمد كامل وتأثير كبار المشايخ في صقل موهبته الذهبية

لم يكن وصول محمد كامل إلى منصة التتويج مجرد صدفة، بل كان نتيجة مسار تعليمي وأزهري رصين، حيث بدأ دراسته في التعليم الأساسي العام قبل أن ينتقل بذكاء وشغف إلى رحاب الأزهر الشريف في الصف الثالث الإعدادي، ومنذ ذلك الحين تفرغ لدراسة علوم القرآن والشرعية.

تتلمذ على يد نخبة من المشايخ الأجلاء في قريته، وصولًا إلى مرحلة التخصص في التجويد على يد الأستاذ الشيخ أحمد سليمان أبو فودة، عضو لجنة مراجعة المصحف بالمدينة المنورة، وهي المرحلة التي منحت تلاوته دقة متناهية وانضباطًا عالميًا، كما لعبت نصائح كبار القراء في الإذاعة والتليفزيون، وفي مقدمتهم الشيخ عبد الفتاح الطاروطي والشيخ أحمد عوض أبو فيوض والشيخ يوسف قاسم حلاوة، دورًا جوهريًا في توجيه موهبته وتجاوز المراحل الصعبة في مسابقة “دولة التلاوة”، حيث استطاع كامل أن يطبق توجيهاتهم الفنية والمقامية ببراعة، مما مكنه من التحكم في طبقات صوته وضبط المقام الموسيقي المناسب لمعاني الآيات الكريمة التي يتلوها.

يؤمن القارئ محمد كامل بضرورة المحاكاة والتقليد في بدايات أي قارئ، معتبرًا إياها اللبنة الأساسية التي يستطيع من خلالها المبتدئ بناء مدرسته الخاصة وصقل بصمته الفريدة، حيث يميل كامل في أدائه إلى المدرسة الرصينة التي يمثلها فضيلة الشيخ الشحات محمد أنور والشيخ محمد الليثي.

تجمع تلك المدارس بين الجمال الفني والخشوع الرباني، وعند الحديث عن المقامات الموسيقية، يرى بطل دولة التلاوة أن مقام “الكرد” هو الأقرب إلى قلبه والأكثر تعبيرًا عن شخصيته الحقيقية أثناء التلاوة، لما يمنحه هذا المقام من مساحة واسعة للشعور والسكينة والقدرة على ملامسة قلوب المستمعين، وقد تجلى هذا التأثر بوضوح في كافة جولات المسابقة، حيث كانت تلاواته تتسم بالوقار الذي يضيفه عليه أيضًا الزي الأزهري، الذي يعتبره كامل جزءًا لا يتجزأ من هيبة القارئ ومكانته الاجتماعية والدينية، مما جعل تلاواته تصل إلى القلوب مباشرة قبل الآذان، محققًا بذلك الغاية الأسمى من قراءة كتاب الله.

المسؤولية المجتمعية وطموحات بطل دولة التلاوة بعد الشهرة العالمية 2026

أكد القارئ محمد كامل عقب فوزه باللقب أن المسؤولية الملقاة على عاتقه قد تضاعفت بعد الظهور في برنامج “دولة التلاوة”، خاصة وأن الأطفال والشباب باتوا يرونه قدوة حسنة يقتدون بها في حفظ القرآن وتجويده، وأشار كامل إلى أن البرنامج تحول من مجرد مسابقة محلية إلى تظاهرة عالمية يتابعها العالم الإسلامي، مما يفرض على القراء ضرورة الالتزام بالوجه الذي يرضي الله سبحانه وتعالى في كل آية تخرج من أفواههم، وعلى الرغم من كونه قد حكّم سابقًا في “مسابقة اقرأ” البريطانية عام 2023، إلا أن فوزه بلقب دولة التلاوة في مصر يمثل بالنسبة له القمة والغاية، مختتمًا حديثه بالأمنية الصادقة بأن يكون القرآن الكريم سببًا في محبة الناس لبعضهم البعض وتقربهم من الخالق، معربًا عن امتنانه لكل من دعمه من الأهل والأصدقاء والمشايخ الذين كانوا أول من تنبأ له بمستقبل باهر في هذا الميدان الشريف، ليصبح محمد كامل نموذجًا مشرفًا لشباب الأزهر الذين يجمعون بين العلم والتقوى والإبداع.