لم تعد زيادة أسعار الوقود مجرد قرار اقتصادي يؤثر فقط على محطات البنزين، بل تحولت سريعًا إلى ضغط على الأسواق وسلاسل الإمداد في مصر، مما أثر على مائدة المستهلك اليومية من الدواجن والخضروات إلى المطاعم الشعبية والسلع الغذائية.

في شوارع المطرية، إحدى المناطق الشعبية بالقاهرة، تبدو حركة الأسواق مزدحمة كما هو معتاد قبل الإفطار في شهر رمضان، لكن حديث الناس يدور حول الأسعار التي تتغير بوتيرة أسرع من قدرتهم على التكيف معها.

يقول أيمن محمد، موظف بإحدى شركات القطاع الخاص، إن كيلو الدواجن البيضاء كان يباع مع بداية شهر رمضان بنحو 105 جنيهات، قبل أن يقفز إلى نحو 130 جنيهًا بعد رفع أسعار البنزين والسولار الأسبوع الماضي، ويضيف أن دخله الشهري الذي يبلغ نحو 8 آلاف جنيه لم يعد يكفي احتياجات أسرته المكونة من زوجة وطفلين، موضحًا أنه بدأ يفكر في البحث عن عمل إضافي لمواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة، بعدما أصبحت بعض السلع الأساسية، مثل اللحوم، “ضيفًا ثانويًا” على المائدة بعد أن كانت عنصرًا رئيسيًا فيها.

وجاءت هذه التطورات بعد إعلان وزارة البترول والثروة المعدنية تعديل أسعار عدد من المنتجات البترولية وغاز تموين السيارات، في ظل الظروف الاستثنائية التي تشهدها أسواق الطاقة عالميًا وارتفاع تكاليف الاستيراد والإنتاج.

وبحسب بيان الوزارة، ارتفع بنزين 95 من 21 إلى 24 جنيهًا للتر بزيادة 14.3%، وبنزين 92 من 19.25 إلى 22.25 جنيهًا بزيادة 15.6%، وبنزين 80 من 17.75 إلى 20.75 جنيهًا بزيادة 16.9%، كما صعد سعر السولار من 17.5 إلى 20.5 جنيه للتر بزيادة 17.1%.

وشمل القرار أيضًا رفع أسطوانة البوتاجاز المنزلية من 225 إلى 275 جنيهًا بزيادة 22.2%، والتجارية من 450 إلى 550 جنيهًا بالنسبة نفسها، بينما ارتفع غاز تموين السيارات من 10 إلى 13 جنيهًا للمتر المكعب بزيادة 30%.

وأكدت الوزارة أن هذه الزيادات جاءت نتيجة التطورات الجيوسياسية في المنطقة وارتفاع أسعار النفط عالميًا، مع استمرار جهود الدولة لتعزيز الإنتاج المحلي وضمان استقرار إمدادات الطاقة.

الدواجن

داخل أحد محال بيع الدواجن بالمطرية، يقول عبد الرحمن خلف، صاحب محل دواجن، إن السوق شهد ارتفاعًا واضحًا في الأسعار خلال الأيام الماضية، حيث يتراوح سعر الكيلو حاليًا بين 120 و130 جنيهًا، ويشير إلى أن المزارع رفعت أسعارها مع بداية شهر رمضان نتيجة زيادة الطلب، لكن إعلان رفع سعر السولار الأسبوع الماضي أدى إلى زيادة تكلفة النقل والتوزيع، وهو ما انعكس سريعًا على السعر النهائي في الأسواق.

ويضيف أن بائعي التجزئة أنفسهم يتضررون من هذه الزيادات، لأن ارتفاع الأسعار يؤدي غالبًا إلى تراجع الطلب وانخفاض الكميات التي يشتريها المستهلكون.

مفارقة السوق

في المقابل، يلفت حسين عبد الصبور، المسؤول بأحد معامل التفريخ، إلى مفارقة لافتة في السوق، حيث انخفض سعر الكتكوت إلى ما بين 10 و15 جنيهًا فقط، رغم ارتفاع أسعار الدواجن، ويرجع ذلك إلى انتشار مرض بين الطيور خلال الفترة الأخيرة، ما دفع العديد من المربين إلى التردد في بدء دورات تربية جديدة خوفًا من النفوق أو الخسائر.

ويضيف أن قلة المعروض من الدواجن في الأسواق دفعت الأسعار للارتفاع، في حين تعاني معامل التفريخ من ركود واضح بسبب ضعف الإقبال على شراء الكتاكيت.

الخضروات والفواكه

ولا تتوقف موجة الغلاء عند الدواجن فقط، إذ امتدت إلى الخضروات والفواكه التي تشكل جزءًا أساسيًا من المائدة اليومية، تقول أم وائل، وهي ربة منزل تقيم في المطرية، إن أسعار الخضروات الأساسية مثل الطماطم والبطاطس ارتفعت بشكل ملحوظ، مضيفة أن الفواكه أصبحت تدخل المنزل في مناسبات محدودة فقط.

وفي سوق الخضروات بمنطقة غمرة، يقول ممدوح حمدان، تاجر خضروات وفواكه، إن الأسعار شهدت زيادات واضحة خلال الفترة الأخيرة، ويشير إلى أن سعر الطماطم يتراوح حاليًا بين 30 و40 جنيهًا للكيلو مقارنة بنحو 20 إلى 25 جنيهًا سابقًا، بينما يتراوح سعر الخيار بين 30 و40 جنيهًا، والبطاطس بين 20 و30 جنيهًا للكيلو.

ويضيف أن سعر الفلفل البلدي يتراوح بين 35 و40 جنيهًا، والليمون بين 30 و45 جنيهًا، فيما يتراوح سعر الباذنجان بين 30 و40 جنيهًا للكيلو، ويرجع حمدان جزءًا من هذه الزيادات إلى ارتفاع سعر السولار، موضحًا أن الوقود يدخل في تكلفة نقل المحاصيل من المزارع إلى الأسواق، إضافة إلى استخدامه في عمليات الري.

شعبة الخضروات

قال حاتم النجيب، نائب رئيس شعبة الخضروات والفاكهة باتحاد الغرف التجارية، إن ارتفاع أسعار بعض الخضروات مثل الطماطم والخيار والفلفل والباذنجان والليمون يعود أساسًا إلى التغيرات الجوية وموجات الصقيع التي أثرت على الإنتاج، وأضاف أن انخفاض درجات الحرارة أدى إلى تراجع المعروض مؤقتًا وارتفاع الأسعار، مشيرًا إلى أن زيادة تكلفة النقل والسولار لها تأثير محدود للغاية على السعر النهائي للمنتج.

وتوقع النجيب أن تعود الأسعار إلى مستوياتها الطبيعية خلال الفترة المقبلة مع تحسن الأحوال الجوية وبدء طرح إنتاج العروة الصيفية، مؤكدًا أن مصر لا تعاني نقصًا في الخضروات والفاكهة، وأن الارتفاع الحالي يرتبط بطبيعة المواسم الزراعية وتراجع الإنتاج بشكل مؤقت.

الفول والطعمية

المطاعم الشعبية بدورها لم تكن بعيدة عن موجة ارتفاع التكاليف، يقول سيد أحمد، صاحب مطعم فول وطعمية، إن سعر برميل الزيت سعة 50 كيلو تجاوز 5000 جنيه بعدما كان نحو 4500 جنيه قبل شهر رمضان، كما ارتفع سعر كيلو الفول بأكثر من 10 جنيهات، ويضيف أن أسطوانة الغاز ارتفعت أيضًا، حيث يصل سعرها في بعض الأحيان إلى نحو 630 جنيهًا، رغم أن السعر الرسمي أقل من ذلك.

ويرى مصطفى حسين، صاحب مطعم آخر في المنطقة، أن المشكلة الحقيقية تكمن في أن المستهلك يرى السعر النهائي فقط، بينما ترتفع سلسلة طويلة من التكاليف على التاجر، تشمل الخضروات والبقوليات والطاقة وأدوات التغليف.

السلع الغذائية

في محال البقالة، يقول إبراهيم علام، صاحب متجر في حدائق القبة، إن بعض الشركات بدأت بالفعل في تعديل أسعار السلع الغذائية، وأشار إلى أن أسعار الزيوت ارتفعت بين 8% و10%، حيث صعد سعر عبوة الزيت زنة لتر إلى 77 جنيهًا بدلًا من 70 جنيهًا، كما ارتفع سعر عبوة 700 مللي إلى 57 جنيهًا بدلًا من 50 جنيهًا.

كما ارتفعت أسعار السمنة، حيث وصل سعر العبوة زنة 11 كيلو إلى 1050 جنيهًا بدلًا من 975 جنيهًا، ويضيف أن أسعار البيض كانت قد ارتفعت مع بداية شهر رمضان، قبل أن تبدأ في التراجع بعد مرور الأسبوع الأول، إلا أن قرار رفع أسعار الوقود غير هذا المسار، لترتفع الأسعار مجددًا ويتراوح سعر الطبق حاليًا بين 150 و160 جنيهًا، مقارنة بنحو 145 و155 جنيهًا قبل زيادة الوقود.

ويتوقع علام أن تشهد الأسواق زيادات إضافية بعد شهر رمضان، مع إعلان الشركات قوائم الأسعار الجديدة عقب عيد الفطر.

اللحوم

في سوق اللحوم، يقول رمضان علي، أحد الجزارين بمنطقة المرج، إن حركة البيع شهدت تراجعًا ملحوظًا خلال الفترة الأخيرة مقارنة بالفترات السابقة، مع تزايد الضغوط على القدرة الشرائية للمستهلكين في ظل ارتفاع الأسعار، وأضاف أن أسعار اللحوم ارتفعت عقب زيادة أسعار السولار خلال الأسبوع الماضي، حيث صعد سعر الكيلو من نحو 400 جنيه إلى 440 جنيهًا في بعض المحال.

وأوضح أن هذه الزيادة لا ترتبط فقط بتكلفة شراء الماشية، بل تعود أيضًا إلى ارتفاع مجموعة من التكاليف المرتبطة بالنشاط، على رأسها تكاليف النقل والتوزيع التي تعتمد بشكل أساسي على السولار، إلى جانب زيادة أسعار مواد التغليف والأكياس البلاستيكية وكذلك أجور العمالة.

وأشار إلى أن هذه العوامل مجتمعة تدفع الأسعار للارتفاع تدريجيًا، وهو ما ينعكس في النهاية على السعر الذي يتحمله المستهلك، ويؤدي في الوقت نفسه إلى تراجع حركة الشراء مقارنة بالفترات الماضية.