مع اقتراب نهاية رمضان، يمكننا رصد تنوع القضايا المطروحة وتكرار بعضها الآخر، خاصة ما يتعلق بتماسك الأسرة ومشاكل الطلاق والصراع على المال داخل العائلة الواحدة.

تابعنا قضايا تخص أمننا الوطني ودور مصر التاريخي في “رأس الأفعى” وتناول القضية الكبرى لحرب غزة وجرائم الاحتلال في “صحاب الأرض”، حيث كان البعض يرى أن العمل لا يناسب أجواء رمضان بينما استمتع آخرون بالمتابعة، وغالبا كانوا ممن عايشوا أحداث الحرب من أهلنا في غزة، حيث فضل صناع العمل الاكتفاء بأربعة عشر حلقة وعرض في الحلقة التالية فيلم وثائقي كان مرجعا أساسيا انطلقت منه دراما العمل الذي اختير كأفضل عمل بالإجماع.

اعتمد صناع “صحاب الأرض” بيتر ميمي والكاتب عمار صبري على وثائقي كريم الشناوي وأمير الشناوي الذي وثق جهود طاقم الهلال الأحمر المصري لإنقاذ عدد من أطفال غزة المبتسرين، حيث نقل الفيلم مشاعر الأمهات اللواتي تحدثن عن خوفهن وامتنانهن لجهود مصر، كما وثق الفيلم ديكور المسلسل في مشاهد الميكنج، وكانت إجابة على سؤال أين تم التصوير، حيث اعتقدنا أنه تم في غزة المدمرة وليس في ديكور بمدينة الإنتاج الإعلامي.

تابع عدد كبير من المشاهدين مسلسل “رأس الأفعى” عن الإخواني محمود عزت، حيث يعرف الناس دوره في التفجيرات الإرهابية ويتابعون باهتمام ما يرويه العمل التمثيلي، ويضيف الجزء التسجيلي الذي تنتهي به كل حلقة دعما إضافيا للتوعية وتذكرة بما حدث في الماضي القريب، بينما عرض مسلسل “مناعة” وثائقيا حكى عن عملية القضاء على تجارة المخدرات في الباطنية، حيث قدم إجابة عن السبب في إنتاج عمل عن تاجرة مخدرات وشرح جانبا من أسباب ذلك، وقد احتل الوثائقي نصف زمن الحلقة الأخيرة ووجدته مفيدا وممتعا بشهادة الضابط المسئول عن العملية وتصوير ما وقع في زمن حدوثه بالثمانينيات.

بعد أن فرض “حكاية نرجس” تسيده الاهتمام في النصف الثاني من رمضان، أعيد فتح ملف عزيزة التي أسمتها الصحافة بنت إبليس، حيث جرت مقارنات بين القصة الأصلية وما تقدمه الدراما، ويتجاوز المسلسل اجترار القضية إلى مناقشة فكرة مفهومي الأمومة والأبوة، كما يؤكد حقيقة أن الكتابة والإخراج هما عنصري الدراما الأهم، مما يظهر الممثل والممثلة في أفضل حالاتهم، حيث تصبح المقارنة مع المشاهد الحقيقية في صالح الفن الذي يقدم تحليلا لأبطال العمل ويشرح واقعهم بما يتجاوز الكلمات، خاصة عندما تنجح ممثلة كبيرة في التعبير الصامت كما تفعل ريهام عبد الغفور وحمزة العيلي والكبيرتان سماح أنور وعارفة عبد الرسول، ومعهم القدير أحمد عزمي.

العودة لمشاهد وثائقية يظهر حاجة الناس لتصديق أن ما يشاهدونه ليس من وحي خيال صناع الدراما، مما يزيد الاهتمام ويطمئنهم أن ما يكتب على الشاشة قد حدث بالفعل، وهذا لا يمنع أن تكون لدينا بعض الملاحظات مثل تكرار بعض الخطوط الفرعية خاصة حين يؤديها نفس الممثل، حيث قام الممثل أمير عبد الواحد بدور الأخ في مسلسل “اثنين غيرنا” شخص مستغل يبتز أخته ويضغط عليها ليستفيد منها ماديا، وبدور مشابه في “حد أقصى” وإن تغير موقفه قرب نهاية العمل، بينما يقوم عصام السقا بدور رضوان أخ سيئ في “علي كلاي” لأخته روح، حيث تستند الدراما إلى الواقع وتكرار تناول شخصية كهذه يؤكد وجودها في المجتمع وتدعمها بعض الشواهد، حيث يرصد الكتاب ما يحدث في الواقع رجوعا لأخبار من الصحف وحكايات تظهر في وسائل التواصل الاجتماعي.

هذا العام لا يمكننا أن نتحدث عن أزمة الورق، حيث هناك أكثر من عمل مكتوب بحرفية ودرجة من العمق لمسها الجميع في أعمال “عين سحرية” و”صحاب الأرض”، وبدرجة قريبة في “حد أقصى” و”كان يا ما كان”، وانضم إليهم في النصف الثاني “حكاية نرجس” و”عرض وطلب” و”فرصة أخرى”، حيث زاحمت أخبار الحرب الأمريكية الإسرائيلية التي اندلعت في العاشر من رمضان اهتمام الناس الذي توزع بين الاهتمام بالأخبار وبين متابعة الدراما، بينما تابعت عددا أقل من مسلسلات النصف الثاني مقارنة بالأول، واستمر معي من الأعمال الطويلة “علي كلاي” فقط، حيث اختلفت معه في الذوق وطريقة المخرج في تنفيذ المشاهد، حيث بدا للجميع وكأنهم يخطبون في الساحة، لكن موضوعه قوي وشخصياته لها بعد تراجيدي قوي تحتاج عناية أكبر من المخرج للتقليل من الأداء الفج الذي ظهرت عليه بعض الفنانات، وننتظر حتى نهايته ليتم تقييمه بما يستحقه كعمل التف حوله الناس.

التصوير في الأماكن الطبيعية وإظهار القاهرة وخاصة ميدان طلعت حرب بوسط المدينة، حيث طعم البيوت القديمة ظهر بشكل مميز في “عرض وطلب” وأيضا في “حكاية نرجس” وقبلها في “مناعة”، مما يوثق لقاهرة قد تتجدد وتصبح مشاهد الدراما مرجع وثائقي عن شكل الشوارع والبيوت في زمن ما، مما يؤكد أن فنون الصورة لها بعد وثائقي بالإضافة لبعدها الخيالي.