كشف نيافة الأنبا بولا، مطران طنطا وتوابعها، عن ملامح إنسانية وروحية عميقة من سنوات طفولته، حيث أكد أن المعاناة الجسدية التي واجهها لم تكن مجرد عائق صحي بل كانت أساسًا في بناء علاقته بالله وتشكيل مسار حياته نحو الرهبنة والخدمة الكنسية الشاملة.
وخلال حواره المؤثر في برنامج «كلّم ربنا» مع الإعلامي أحمد الخطيب عبر الراديو 9090، استعاد مطران طنطا ذكريات طفولة صعبة اتسمت بالعجز عن الحركة نتيجة الحمى الروماتيزمية التي أجبرته على البقاء في الفراش لفترات طويلة، حيث كان يشاهد أقرانه يلعبون في الشوارع بينما يكتفي هو بالمراقبة من بعيد.
إن هذه العزلة القسرية والدائرة المحدودة التي عاشها بين المنزل والمدرسة والكنيسة، كانت بمثابة “خلوة إلهية” مبكرة، جعلت من الله الصديق الوحيد والملجأ الحقيقي الذي يفهم أنينه الصامت خلف جدران المرض، مما رسخ في نفسه يقينًا بأن الله لا يترك المتألمين بل يرافقهم في كل خطوة، حتى في اللحظات التي يظن فيها المرء أنه وحيد تمامًا في مواجهة الوجع.
الأمانة كمنهج حياة في بيت بسيط
تربى الأنبا بولا في بيئة رصينة، حيث اقترنت هذه التربية بملازمته الطويلة لوالديه بسبب المرض، مما ساهم في تفوقه الدراسي وقربه من الكنيسة التي وجد فيها ضالته الروحية.
ويرى الأنبا بولا أن شفاءه من الروماتيزم في وقت لاحق كان بمثابة «لمسة إلهية» مباشرة، رسالة سماوية تشير إلى أن الله كان يهيئه لمهمة أعظم، وأن كل لحظة ألم عاشها كانت جزءًا من خطة إلهية تهدف إلى بناء خادم قوي يدرك قيمة المعاناة ويستطيع مداواة جراح الآخرين.
الطريق إلى الدير وأصغر أسقف
لم يكن قرار الرهبنة بالنسبة للأنبا بولا مجرد فكرة عابرة أو رغبة طفولية في الهروب من الواقع، بل كان استجابة لنداء داخلي عميق تبلور بوضوح عندما ذهب إلى كاهن الكنيسة معلنًا رغبته في الترهبن، وهو ما شكل نقطة التحول الكبرى في حياته.
بعد تخرجه من الجامعة بتميز، توجه مباشرة إلى الدير للالتحاق بالحياة الرهبانية التي كانت تتسم في ذلك الوقت بالبساطة الشديدة والزهد، لكنها كانت مفعمة بالروحانية والقداسة.
وقع اختيار البابا الراحل شنودة الثالث على الراهب الشاب نظرًا لما لمسه فيه من إخلاص وذكاء روحي، ليتم تكريسه أسقفًا ولم يتجاوز حينها الخامسة والعشرين من عمره، ليحفر اسمه كأصغر أسقف في تاريخ الكنيسة القبطية الأرثوذكسية.
هذا التكليف المبكر وضع على عاتقه مسؤوليات جسيمة، حيث كلفه البابا شنودة برئاسة المجلس الإكليريكي للأحوال الشخصية، وهو المنصب الذي جعله يغوص في تعقيدات قضايا الأسرة المسيحية، ويجوب دول العالم لمعالجة المشكلات الاجتماعية بروح الرعاية والحكمة.
فلسفة الشكر والرضا في كل الظروف
اختتم الأنبا بولا حديثه بتقديم فلسفة روحية عميقة حول مفهوم الشكر والرضا، مؤكدًا أنه يشكر الله في كل الظروف، سواء في أوقات الضيق أو في ساعات الفرج.
أوضح نيافته أن الناس قد يتعجبون من إنسان يشكر الله وهو يعاني من المرض أو العجز، لكنه يرى أن الضيق هو الباب الحقيقي الذي يفتح آفاق الفرج ويقرب الإنسان من خالقه، جاعلًا منه جزءًا من تدبير إلهي واسع، إن الرؤية التي قدمها مطران طنطا تعكس تصالحًا تامًا مع الماضي، حيث يرى أن كل ما حدث في حياته، بما في ذلك المرض الذي قد يبدو “شرًا” في الظاهر، كان في جوهره خيرًا مطلقًا أدى إلى نجاحات وتفوق وتقوى لم تكن لتتحقق بدونه.
هذه التجربة الحياتية الغنية تجعل من الأنبا بولا نموذجًا للمسؤول الكنسي الذي يجمع بين العلم الإداري والروحانية الصرفة، مؤكدًا أن يد الله تعمل دائمًا لصالح الإنسان، شريطة أن يسلم قلبه بالكامل لهذا التدبير، وأن ينظر إلى المحن باعتبارها منحًا إلهية مغلفة بالأمل.

