تعتبر ليلة القدر من أعظم المنح الإلهية للأمة المحمدية، حيث إن العمل فيها أفضل من العمل في ألف شهر، وهو ما يعادل عبادة أكثر من ثلاث وثمانين سنة.
رغم أن الراجح من أقوال العلماء أن موعدها غير معلوم بدقة ليجتهد المسلمون في العشر الأواخر كلها، إلا أن الشرع الحكيم لم يترك المؤمنين بلا إشارات، بل أخبر النبي صلى الله عليه وسلم ببعض العلامات التي تميز هذه الليلة المباركة، وتأتي هذه العلامات رغبة في استنهاض الهمم واستباق الخيرات والتزود للآخرة، فمنها علامات تظهر في أثنائها لتكون بمثابة المرغب المنشط على إحيائها بالقيام والدعاء، ومنها علامات تظهر بعد انقضائها لتكون بشرى لمن وفق للصالحات، وحسرة وندمًا لمن ضيع هذه الدقائق الغالية التي لا تقدر بثمن.
العلامات الكونية في أثناء ليلة القدر
وردت في السنة النبوية المطهرة مجموعة من الأوصاف الدقيقة لليلة القدر وهي في أوج زمانها، ومن أبرز ما رواه الإمام أحمد من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم وصف أمارة ليلة القدر بأنها ليلة “صافية بلجة”، أي شديدة الضياء والوضوح كأن فيها قمرًا ساطعًا رغم أنها تكون في ليالٍ وترية قد لا يكون القمر فيها بدرًا.
كما تتميز هذه الليلة بالسكينة والوقار، فهي ليلة “ساكنة ساجية”، لا يشعر فيها العبد ببرد قارس ولا بحر مؤذٍ، بل يكون الجو معتدلًا يبعث على الراحة والخشوع، ومن العلامات الغيبية التي أخبر عنها النبي ﷺ أنه لا يحل لكوكب أن يُرمى به فيها حتى تصبح، مما يشير إلى انقطاع رمي الشياطين بالشهب في تلك الليلة تعظيمًا لقدرها ونزول الملائكة والروح فيها بسلام.
وصف القمر وزمان الليلة
من العلامات التي تشير إلى وقت وقوع ليلة القدر في أواخر الشهر ما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه، حيث تذاكر الصحابة ليلة القدر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: “أيكم يذكر حين طلع القمر وهو مثل شق جفنة”
وقد توقف العلماء عند هذا الوصف البليغ، حيث تعني “شق الجفنة” نصف القصعة، وهذا لا يحدث للقمر عند طلوعه إلا في أواخر الشهر العربي، وتحديدًا في الليالي الوترية من العشر الأواخر، وهذا الحديث يعزز التوجه بأن ليلة القدر تنتقل في العشر الأواخر وليست ثابتة في ليلة بعينها كل عام، مما يستوجب من المسلم أن يكون يقظًا في تحري طلوع القمر وهيئته، مستشعرًا عظمة الخالق في تدبير هذا الكون وربط العلامات المادية بالثواب الروحي العظيم.
العلامة الفاصلة بعد انقضاء الليلة
تعتبر العلامة التي تأتي صبيحة ليلة القدر هي الأقوى ثبوتًا والأكثر وضوحًا بين العلامات، وهي أن تطلع الشمس في يومها بيضاء لا شعاع لها، كما ثبت في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم عن أبيّ بن كعب رضي الله عنه.
وقد فسر العلماء هذه الظاهرة بأن الشمس تطلع في ذلك اليوم ضعيفة الضياء في نظر العيون، بحيث يمكن النظر إليها مباشرة دون أن تؤذي الأشعة البصر، وكأنها قرص أبيض مستوٍ، وأفاد الإمام النووي في شرحه لصحيح مسلم أن السبب في ذلك قد يكون لغلبة نور تلك الليلة وبركتها وكثرة نزول الملائكة فيها وصعودهم بعد الفجر، مما يحجب ضياء الشمس المعتاد وأشعتها الناشرة، فتكون هذه العلامة بمثابة الختام الذي يبشر المؤمن الذي أحيا ليله بالقيام بأنه قد أدرك بفضل الله ليلة القدر.
كيف يستعد المسلم لليلة القدر في 2026؟
مع اقتراب العشر الأواخر من رمضان 1447هـ الموافق لعام 2026، ينبغي على المسلم ألا ينشغل برصد العلامات انشغالًا يلهيه عن العبادة نفسها، فالعلامة هي وسيلة وليست غاية، إن الاستعداد الحقيقي يكون بإخلاص النية وكثرة الدعاء، خاصة قوله: “اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني”، والحرص على صلاة التراويح والتهجد والصدقة
إن من وفق للاجتهاد في الليالي العشر كلها فقد أدرك ليلة القدر يقينًا سواء رأى علاماتها أو لم يرها، فالله عز وجل أخفى موعدها ليرى المجتهدين والمقبلين عليه بصدق، فليكن رصد العلامات حافزًا إضافيًا لزيادة الخشوع والضراعة، فمن وجد ليلته صافية ساكنة فليزدد في السجود، ومن رأى شمس صبيحتها بيضاء فليحمد الله على التوفيق وليسأله القبول والثبات على الطاعة بعد رمضان.

