قال الدكتور هاني قداح، الخبير الاقتصادي، إن أي حرب إقليمية في منطقة الشرق الأوسط قد لا تبدو قريبة من المواطن المصري، لكنها تنعكس اقتصاديًا بسرعة على الأسواق المحلية، بدءًا من أسعار الوقود مرورًا بالسلع الغذائية وصولًا إلى سعر الدولار، حيث أوضح أن الاقتصاد المصري يتأثر بعدة قنوات مباشرة في حال تصاعد التوترات العسكرية في المنطقة.

تأثير الحرب على قطاع الطاقة

أضاف أن أولى هذه القنوات تتعلق بقطاع الطاقة، إذ تمثل منطقة الخليج مركزًا رئيسيًا لإمدادات النفط عالميًا، كما تعد إيران من أكبر الدول المالكة لاحتياطيات النفط، مما يعني أن أي اضطراب عسكري في محيطها قد يؤدي إلى صدمة في سوق الطاقة، خاصة إذا تعطلت الملاحة في مضيق هرمز، حيث لفت إلى أن تعطل الملاحة لمدة شهر قد يدفع سعر النفط إلى نحو 110 دولارات للبرميل، بينما قد يؤدي الإغلاق الكامل للمضيق إلى ارتفاع الأسعار إلى حدود 130 دولارًا أو أكثر، وهو ما يعني زيادة تكلفة استيراد الوقود على مصر، وارتفاع الضغوط على الموازنة العامة، إلى جانب زيادة تكلفة النقل والكهرباء، مما يفتح الباب أمام موجة تضخمية داخلية.

قناة السويس وتأثيرها الاقتصادي

أوضح قداح أن قناة السويس تمثل القناة الثانية التي قد يتسلل عبرها التأثير الاقتصادي للحرب، نظرًا لأنها تعد أحد أهم مصادر النقد الأجنبي لمصر، حيث يمر عبرها نحو 15% من تجارة العالم، لكنه أشار إلى أن الخطر لا يقتصر على القناة نفسها، بل يمتد إلى أي اضطرابات محتملة في مضيق باب المندب أو البحر الأحمر، والتي قد تدفع شركات الشحن العالمية إلى تغيير مسارات السفن بعيدًا عن المنطقة، مع ارتفاع تكاليف التأمين البحري والشحن، مما قد يؤدي إلى تراجع إيرادات القناة الدولارية، وهو ما قد يضغط بدوره على الاحتياطي النقدي وسعر الصرف.

السلع الاستراتيجية والضغوط المعيشية

فيما يتعلق بالسلع الاستراتيجية، أكد الخبير الاقتصادي أن مصر تعتمد بشكل كبير على استيراد الحبوب والسلع الأساسية، مما يجعلها أكثر حساسية لأي اضطرابات في سلاسل الإمداد العالمية، حيث أوضح أن تصاعد التوترات العسكرية غالبًا ما يرفع تكلفة الشحن والتأمين، مما يؤدي إلى زيادة تكلفة استيراد القمح والذرة، إضافة إلى ارتفاع أسعار الغذاء والأدوية والإلكترونيات، وهو ما يوسع الفجوة الدولارية المطلوبة لتغطية فاتورة الاستيراد، ويضع ضغوطًا معيشية مباشرة على المواطنين خلال فترة قصيرة.

تأثير الأسواق المالية

وأشار قداح إلى أن الأسواق المالية تتحرك عادة وفق نمط شبه ثابت في أوقات الأزمات العالمية، حيث يرتفع الذهب باعتباره ملاذًا آمنًا للمستثمرين، في حين يزداد الطلب على الدولار مع خروج الاستثمارات من الأسواق الناشئة، مما قد يضع الجنيه المصري تحت ضغوط إضافية نتيجة تراجع التدفقات الأجنبية وزيادة فاتورة الاستيراد، كما قد يؤدي ارتفاع أسعار الفائدة عالميًا إلى موجة تضخم جديدة يصعب احتواؤها سريعًا.

تأثير الحرب على الصادرات المصرية

لفت إلى أن الصادرات المصرية قد تتأثر بدورها في حال اتساع نطاق الحرب أو تعطل حركة التجارة الدولية، موضحًا أن أي اضطرابات في حركة الشحن العالمية أو ارتفاع تكلفة النقل والتأمين قد ينعكس سلبًا على تنافسية الصادرات المصرية، خاصة مع احتمال تراجع الطلب في بعض الأسواق المتأثرة بالأزمة، مما قد يحد من تدفقات العملة الصعبة ويؤثر على خطط التوسع التصديري.

الخلاصة

اختتم الخبير الاقتصادي تصريحاته بالتأكيد على أن الحروب لا تبقى مجرد أحداث سياسية بعيدة، بل تتحول سريعًا إلى موجات اقتصادية تصل إلى الأسواق المحلية، حيث أوضح أن أبرز المخاطر المحتملة على الاقتصاد المصري في حال تصاعد صراع إقليمي تتمثل في ارتفاع أسعار الطاقة، وتراجع إيرادات قناة السويس، وزيادة تكلفة استيراد الغذاء والسلع، إلى جانب الضغوط على الجنيه وارتفاع معدلات التضخم، فضلًا عن تباطؤ الصادرات وتراجع تدفقات العملة الصعبة.

أكد أن حجم التأثير في النهاية يظل مرتبطًا بمدة الصراع ونطاقه الجغرافي، إضافة إلى قدرة الدولة على إدارة احتياطياتها من النقد الأجنبي، وتنويع مصادر الاستيراد، وتعزيز الإنتاج المحلي باعتباره خط الدفاع الاقتصادي الأول في مواجهة مثل هذه الأزمات.