قال الدكتور محمد الجوهرى، الخبير الاقتصادى ورئيس مركز أكسفورد للدراسات الاقتصادية، إن الحرب الحالية في المنطقة لا تمثل مجرد صراع عسكري تقليدي بل هي صراع يدور في قلب أهم منطقة منتجة للطاقة في العالم، حيث يضم الخليج العربي ومحيطه أكبر احتياطيات النفط والغاز على مستوى العالم كما تمر عبر مياهه أهم خطوط نقل الطاقة الدولية، مما يجعل أي توتر عسكري في هذه المنطقة يترجم فورا إلى قفزات في أسعار النفط وإلى حالة من القلق في الأسواق العالمية.
أسواق الطاقة تعيش أكثر فترات الاضطراب خلال السنوات الأخيرة
لفت “الجوهرى” إلى أن تصريحات رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي حول ارتباط رفع أسعار المحروقات في مصر بالتداعيات المباشرة للحرب الدائرة في المنطقة جاءت في ظل مشهد دولى معقد بالفعل، مما يضع النقاش الاقتصادي في إطاره الحقيقي، حيث تعيش أسواق الطاقة العالمية واحدة من أكثر الفترات اضطرابا خلال السنوات الأخيرة نتيجة التصعيد العسكري في الشرق الأوسط وهو ما انعكس بسرعة على أسعار النفط والغاز وتكاليف النقل والتأمين والشحن البحري.
تابع “في ظل هذه المعطيات يصبح من الطبيعي أن تتأثر الدول المستوردة للطاقة بشكل مباشر بهذه الاضطرابات، ومصر رغم ما حققته من اكتشافات في مجال الغاز الطبيعي خلال السنوات الماضية ما زالت تستورد جزءا من احتياجاتها من المنتجات البترولية وخاصة السولار وبعض أنواع البنزين، وهذا يعني أن ارتفاع الأسعار العالمية ينعكس تلقائيا على فاتورة الاستيراد التي تتحملها الدولة”.
أشار رئيس مركز أكسفورد للدراسات الاقتصادية إلى أن المشكلة الأساسية التي تواجه الحكومات في مثل هذه الظروف تتمثل في معادلة صعبة بين عاملين متناقضين، فمن ناحية يجب الحفاظ على استقرار الموازنة العامة للدولة وعدم السماح بارتفاع عجزها بصورة كبيرة نتيجة زيادة فاتورة دعم الطاقة، ومن ناحية أخرى يجب تجنب حدوث صدمة سعرية كبيرة للمواطنين أو للقطاعات الإنتاجية نتيجة الارتفاع المفاجئ في تكلفة الوقود، مضيفا “لهذا فإن تحريك أسعار المحروقات في مصر في هذا التوقيت يمكن قراءته في إطار إدارة الأزمة الاقتصادية العالمية وليس باعتباره قرارا منفصلا عن السياق الدولي، فالحكومة المصرية وجدت نفسها أمام واقع جديد يتمثل في ارتفاع تكلفة الطاقة عالميا نتيجة الحرب وما تسببه من مخاطر على الإمدادات النفطية وعلى حركة الملاحة في المنطقة”.
مضيف هرمز وأهمية الاستراتيجية
أكد “الجوهرة” أن تاريخيا كانت أسعار النفط دائما شديدة الحساسية للأحداث الجيوسياسية في الشرق الأوسط، فعندما تندلع الحروب أو التوترات العسكرية بالقرب من مضيق هرمز أو الخليج العربي ترتفع المخاوف من تعطل الإمدادات النفطية التي تغذي الاقتصاد العالمي، حيث يمر عبر مضيق هرمز وحده ما يقرب من خمس تجارة النفط العالمية يوميا مما يجعل أي تهديد لهذا الممر البحري الحيوي كفيلا بإحداث قفزات كبيرة في الأسعار.
شدد الخبير الاقتصادى على أن هذه التطورات تفرض ضغوطا إضافية على الاقتصادات الناشئة ومنها الاقتصاد المصري، حيث إن ارتفاع أسعار النفط لا يرفع فقط فاتورة استيراد الوقود بل ينعكس أيضا على تكاليف النقل والشحن وعلى أسعار العديد من السلع الأساسية التي تعتمد في إنتاجها أو نقلها على الطاقة، وبالتالي فإن تأثيرات هذه الأزمة لا تقف عند حدود قطاع الطاقة بل تمتد إلى معظم قطاعات الاقتصاد، وتابع “لكن في المقابل يجب الإشارة إلى أن الحكومة المصرية خلال السنوات الأخيرة حاولت بناء قدر أكبر من المرونة في إدارة ملف الطاقة، فقد تم تنفيذ برنامج تدريجي لإعادة هيكلة دعم الوقود بحيث تصبح الأسعار المحلية أقرب إلى التكلفة الحقيقية مع الحفاظ في الوقت نفسه على شبكات الحماية الاجتماعية للفئات الأكثر احتياجا”.
ضغط أسعار النفط على الموارد المالية
أكد “الجوهرى” أن هذا النهج يهدف في الأساس إلى تقليل تعرض الموازنة العامة لصدمات أسعار النفط العالمية، حيث عندما تكون الأسعار المحلية بعيدة جدا عن الأسعار العالمية تتحمل الدولة فروقا ضخمة في الدعم عند كل ارتفاع في أسعار النفط مما يضغط على الموارد المالية للدولة ويؤثر على قدرتها على تمويل قطاعات أخرى مثل الصحة والتعليم والاستثمار في البنية التحتية، وتابع “ومن هنا يمكن فهم تصريحات رئيس الوزراء في إطار محاولة توضيح أن القرار ليس قرارا ماليا فقط بل هو انعكاس مباشر لظروف دولية استثنائية فرضتها الحرب الدائرة في المنطقة، فالدولة لا تستطيع أن تعزل نفسها عن الاقتصاد العالمي ولا عن تقلبات أسواق الطاقة التي تحكمها عوامل سياسية وعسكرية معقدة”.
أشار الخبير الاقتصادى إلى أن التحدي الأكبر الآن لا يتمثل فقط في التعامل مع ارتفاع أسعار الوقود بل في كيفية احتواء الآثار الاقتصادية غير المباشرة لهذا القرار، حيث إن تكلفة الطاقة تدخل في هيكل أسعار معظم السلع والخدمات وبالتالي فإن أي زيادة في أسعار الوقود قد تنعكس على أسعار النقل والمنتجات الغذائية والسلع الاستهلاكية إذا لم يتم ضبط الأسواق بشكل صارم، وهنا يبرز الدور الرقابي للحكومة في منع أي ممارسات احتكارية أو مبالغات غير مبررة في رفع الأسعار، فالزيادات في أسعار الوقود يجب أن تنعكس فقط في حدود التكلفة الحقيقية وليس أن تتحول إلى فرصة للبعض لتحقيق أرباح غير مبررة على حساب المواطنين، مضيفا “وفي الوقت نفسه تظل مدة الأزمة عاملا حاسما في تحديد تأثيراتها الاقتصادية، فإذا كانت الحرب قصيرة نسبيا فمن الممكن أن تعود أسعار النفط إلى مستويات أكثر استقرارا وهو ما يسمح بإعادة النظر في سياسات التسعير، أما إذا استمر الصراع لفترة طويلة فإن الاقتصاد العالمي قد يدخل مرحلة جديدة من ارتفاع أسعار الطاقة وهو ما سيجبر العديد من الدول على إعادة ترتيب سياساتها الاقتصادية”.
الاقتصاد المصري أمام اختبار حقيقي لصدمات الطاقة العالمية
أكد “الجوهرى” أن قرار رفع أسعار المحروقات في مصر يعكس حقيقة أن الاقتصاد الوطني أصبح جزءا من منظومة اقتصادية عالمية شديدة الترابط، حيث إن الحروب والصراعات في مناطق الطاقة الكبرى لا تبقي آثارها داخل حدودها الجغرافية بل تمتد بسرعة إلى مختلف دول العالم، ولهذا فإن المرحلة الحالية تمثل اختبارا لقدرة الاقتصاد المصري على التعامل مع صدمات الطاقة العالمية وعلى الحفاظ في الوقت نفسه على الاستقرار المالي والاقتصادي في ظل بيئة دولية مضطربة تتغير معطياتها بسرعة، كما تبرز أهمية استمرار العمل على تعزيز أمن الطاقة وتنويع مصادرها باعتبار ذلك أحد أهم عناصر الأمن الاقتصادي للدول في عالم تتزايد فيه التوترات الجيوسياسية.

