تعقب العلماء تطور القدرات اللغوية عبر الزمن السحيق، حيث اكتشفوا أن أقدم أسلافنا، “أسترالوبيثيكوس أفارينيس” الذي عاش قبل 3.2 مليون سنة، كان يصدر أصواتا تشبه تلك التي يصدرها الشمبانزي، مما يشير إلى عدم قدرته على تكوين جمل ذات قواعد لغوية معقدة.

لكن مع ظهور “الإنسان المنتصب” قبل نحو 1.6 مليون سنة، يعتقد العلماء أنه كان أول من طور شكلا بدائيا من اللغة، فقد عثر على جمجمة تعود لصبي في الثانية عشرة من العمر يعرف باسم “فتى توركانا” تحمل بصمة واضحة لمنطقة “بروكا” المسؤولة عن اللغة وصناعة الأدوات معا.

يرى الخبراء أن قدرة هذا الإنسان على صناعة فؤوس حجرية مصممة بدقة تتطلب تفكيرا تجريديا متطورا، وهو الأمر نفسه اللازم لتكوين الكلام والجمل، حيث كانت لغة “الإنسان المنتصب” بسيطة على الأرجح، تعتمد على كلمات مفردة للإشارة إلى أشياء وأحداث، لكنها كانت كافية ليصبح أول إنسان يهاجر من إفريقيا ويستكشف العالم.

ومع ظهور إنسان النياندرتال قبل نحو 50 ألف عام، شهد أسلافنا من الإنسان العاقل لغة أكثر تطورا، إذ تشير الأدلة إلى قدرتهم على فهمها والتفاعل معها، واعتمد العلماء في إعادة بناء هذه الأصوات على دراسة البصمات غير المباشرة التي خلفتها الأعضاء الرخوة المسؤولة عن الكلام على العظام المتحجرة، فمن خلال شكل الجمجمة يمكن استنتاج حجم الحنجرة وشكل اللسان وموقع الرئتين، ثم بناء نماذج رياضية تحاكي طريقة عملها لتخيل الأصوات الناتجة عنها.

تقوم الدكتورة أميلي فياليه، عالمة الإنسان القديم البارزة في متحف التاريخ الطبيعي في باريس، بالتعاون مع فريق من الباحثين وإذاعة فرنسا، بدمج هذه الأدلة الأحفورية مع نماذج بيوميكانيكية متقدمة، وهي محاكاة رياضية معقدة لكيفية عمل الجسم البشري، لتصل إلى تخيل علمي حذر يسمح لها بتركيب الأصوات التي كان يمكن أن ينطق بها أسلافنا البعيدون.

هذا الجهد العلمي يكشف عن صورة مثيرة للقاءات التي جمعت إنسان النياندرتال بالإنسان العاقل، والتي أثبتت الأدلة الوراثية حدوثها وتزاوجهما، وبسبب الاختلافات الجسدية كالأنف الكبير والصدر الواسع، يرجح العلماء أن صوت إنسان النياندرتال كان أكثر أنفية وأعلى من صوت الإنسان الحديث، كما كان بإمكانه الكلام لفترات أطول دون التقاط أنفاسه، ونطق بعض أصوات مثل “p” و “t” و “b” بقوة ووضوح أكبر، لكن هذه الاختلافات لم تكن لتشكل عائقا أمام التواصل، إذ يؤكد البروفيسور ستيفن ميثن من جامعة ريدينغ وجود مستوى من التفاهم المشترك بين النوعين، تماما كما يتواصل اليوم أناس يتحدثون لغات مختلفة باستخدام الإيماءات وتعبيرات الوجه، مع قدرة سريعة على تعلم كلمات من لغة الآخر.

المصدر: ديلي ميل