شهد سعر الدولار في السوق المصري قفزة ملحوظة حيث تجاوز مستوى 52 جنيها بعد أن كان يدور حول 48 جنيها قبل أيام مما أثار تساؤلات واسعة حول أسباب هذا الارتفاع المفاجئ وما إذا كان مرتبطا بالتوترات العسكرية بين إيران وإسرائيل وأمريكا أم أن هناك عوامل اقتصادية أخرى تقف خلف هذا التحرك السريع في سعر الصرف.

من جانبه قال الدكتور محمد الجوهرى، الخبير الاقتصادى ورئيس مركز أكسفورد للدراسات الاقتصادية، إنه لا يمكن تفسير ارتفاع الدولار في مصر بعامل واحد فقط بل هو نتيجة تفاعل عدة عوامل داخلية وخارجية في توقيت شديد الحساسية بالنسبة للاقتصاد العالمي والإقليمي.

الدولار والحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران

تابع الخبير الاقتصادى أن العامل الأول يرتبط بلا شك بالحرب الدائرة في منطقة الخليج بين إيران وإسرائيل والدعم الأميركي لإسرائيل، وهي حرب تقع في واحدة من أهم مناطق إنتاج الطاقة في العالم مما يجعل أي تصعيد عسكري في هذه المنطقة ينعكس مباشرة على الأسواق المالية وأسعار النفط وحركة التجارة الدولية وهذا ما يدفع المستثمرين عالميا إلى الاتجاه نحو الأصول الآمنة وفي مقدمتها الدولار الأميركي، ومع تصاعد المخاوف من اتساع رقعة الحرب ارتفعت أسعار النفط العالمية وتجاوزت حاجز 100 دولار للبرميل مما يمثل ضغطا كبيرا على الدول المستوردة للطاقة ومنها مصر حيث ترتفع فاتورة الاستيراد بشكل مباشر مما يزيد الطلب على الدولار لتغطية احتياجات الاستيراد.

لماذا يفضل المستثمرون تحويل أموالهم لدولارات وقت الحروب؟

أكد “الجوهرى” أن العامل الثاني يتمثل في حالة القلق التي تصيب الأسواق المالية العالمية في أوقات الحروب حيث يفضل المستثمرون تحويل أموالهم إلى الدولار باعتباره العملة الأكثر أمانا وهذا ما يؤدي إلى ارتفاعه أمام معظم العملات في العالم وليس فقط أمام الجنيه المصري، لافتا إلى أن العامل الثالث يرتبط بطبيعة الاقتصاد المصري نفسه حيث تعتمد مصر بدرجة كبيرة على الواردات في عدد كبير من السلع الأساسية ومستلزمات الإنتاج مما يجعل أي ارتفاع في أسعار النفط أو تكاليف الشحن والتأمين العالمية يؤدي إلى زيادة الطلب على الدولار داخل السوق، كما أن التوترات الجيوسياسية في المنطقة قد تؤثر بشكل مؤقت على تدفقات الاستثمار الأجنبي والسياحة وتحويلات رؤوس الأموال مما يزيد من الضغط على سوق الصرف في المدى القصير.

عوامل تحد من ارتفاع الدولار

أشار رئيس مركز أكسفورد للدراسات الاقتصادية إلى أنه في المقابل هناك عوامل قد تحد من استمرار هذا الارتفاع لفترة طويلة حيث عملت مصر خلال الفترة الماضية على تعزيز الاحتياطي النقدي وتنويع مصادر العملة الأجنبية من خلال السياحة وقناة السويس والصادرات والاستثمارات، كما أن الحكومة اتخذت إجراءات عديدة لتحسين مناخ الاستثمار وجذب تدفقات دولارية جديدة، وأردف أن ارتفاع الدولار بهذا الشكل قد يكون في جزء منه حركة مضاربية مرتبطة بحالة القلق في الأسواق وليس انعكاسا كاملا لعوامل اقتصادية أساسية مما يعني أن الأسعار قد تشهد تصحيحا إذا هدأت الأوضاع الجيوسياسية أو تراجعت أسعار النفط مرة أخرى، أما بالنسبة لإمكانية استمرار الدولار في الصعود إلى مستويات 53 أو 54 جنيها فهذا يظل سيناريو واردا إذا استمرت الحرب وتصاعدت المخاطر في منطقة الخليج أو إذا ارتفعت أسعار النفط إلى مستويات أعلى لفترة طويلة لأن ذلك سيزيد الضغط على ميزان المدفوعات في الدول المستوردة للطاقة.

سعر الدولار مرتبط بالمشهد الجيوسياسي

لفت “الجوهرى” إلى أنه في حال تراجع حدة التوترات العسكرية أو نجاح الجهود الدولية في احتواء الصراع فمن المتوقع أن تعود الأسواق إلى قدر من الاستقرار وقد نشهد تراجعا تدريجيا في سعر الدولار خاصة إذا استمرت تدفقات النقد الأجنبي إلى الاقتصاد المصري من السياحة والاستثمار وقناة السويس، مشددا على أن ما يحدث حاليا في سوق الصرف هو انعكاس مباشر لحالة عدم اليقين التي يعيشها الاقتصاد العالمي بسبب الحرب في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار الطاقة، لكن المسار النهائي لسعر الدولار سيظل مرتبطا بتطورات المشهد الجيوسياسي خلال الأسابيع القادمة ومدى قدرة الاقتصاد المصري على امتصاص هذه الصدمات الخارجية والحفاظ على توازن سوق النقد الأجنبي، ولهذا فإن الفترة الحالية تتطلب قدرا كبيرا من الحذر في قراءة تحركات الأسواق لأن العملات في أوقات الأزمات تتحرك بسرعة كبيرة صعودا وهبوطا وفقا لتغير الأخبار والتطورات السياسية والاقتصادية على حد سواء.