الفن هو موقف يتجلى من خلال أفعال تعبر عن ذاته، حيث لا تقتصر الدراما على التسلية بل تسعى لتكون أداة عقلانية للرصد والنقد والتوثيق، مما يسهم في فهم الواقع وإعادة ترتيب مفرداته، وهذا ما يتضح في مسلسل «صحاب الأرض».
العمل الذي أخرجه بيتر ميمي وأنتجته الشركة المتحدة لموسم رمضان 2026، يستند إلى حدث واقعي معاصر، لكنه يعرضه بصورة غير تقليدية، مما يمنح العمل دلالات أعمق من مجرد تمثيل الوقائع، إذ يمتد تأثيره إلى قراءة السياق التاريخي والسياسي الأوسع، كما يربط التفاصيل المتناثرة في صورة بانورامية تسهل فهم التحولات الجيوسياسية والأوضاع في الجبهات الساخنة.
استعرض العمل مشاهد من حياة الفلسطينيين في غزة بعد أحداث 7 أكتوبر 2023، حيث يأخذنا بيتر ميمي في جولة داخل القطاع الذي تحول من مدينة نابضة بالحياة إلى منطقة منكوبة بفعل الحرب الإسرائيلية، ولم تقتصر الخسائر على الأرواح والمباني بل امتدت إلى العديد من القصص غير المكتملة والقصائد المفقودة والحكايات التي لم تُروَ بعد.
المسلسل لا يركز على مأساة فردية بل يقدم صيغة أشبه باللوحة الجمعية، حيث يصبح القطاع بكامله الكادر الأوسع للحكاية، كأنه يعيد رسم ملامح المدينة المدمرة في صورة بانورامية تعكس واحدة من أكبر المآسي الإنسانية في القرن الحادي والعشرين.
كما يلامس العمل حركة المساعدات المصرية، مما يعكس الروابط الإنسانية والاجتماعية بين الشعبين المصري والفلسطيني، ويستثمر المسلسل هذا الخط السردي لترسيخ تمسك الفلسطينيين بأرضهم ورفضهم لمخططات التهجير، حيث تصل الرسالة إلى ذروتها مع إبراز موقف القيادة السياسية الرافض للتهجير، ويؤكد الرئيس عبد الفتاح السيسي أن ذلك يمثل خطًا أحمر بالنسبة لمصر، كما يتم فتح معبر رفح لإدخال المساعدات واستقبال الأطفال للعلاج في سيناء، هنا يتحول الحدث من مجرد توثيق سياسي إلى عنصر دلالي يعزز فكرة الارتباط التاريخي والإنساني بين الضفتين.
على مستوى الكتابة، لم يقتصر المؤلف عماد صبري على السرد التوثيقي، بل عمل على بناء جسور درامية بين ما قبل الحدث وما بعده، لتفكيك خيوط الصراع في مساره الأوسع، مع التعمق في دوافع الشخصيات النفسية، بحيث تتحرك ككيانات إنسانية تحت ضغط الخوف والفقد والسعي نحو الحرية.
ظهر ذلك بوضوح في الخطوط الدرامية الفردية، مثل قصة الدكتورة سلمى (منة شلبي) التي قدمت تجربة الفقد بصدق وانفعالات ناعمة، كما تجلت مأساة أخرى عبر شخصية ناصر (إياد نصار) المحاصر داخل القطاع رغم حصوله على تصريح للسفر، مما يجعله معلقًا بين واجب البقاء مع أسرته ورغبة النجاة، وتبرز مأساة التواصل الإنساني في زمن الحرب، حيث يتحول انقطاع الكهرباء وضعف الإنترنت إلى عنصر درامي يكشف هشاشة الروابط، كما في محاولات الابنة كرمة للاطمئنان على والدها عبر مكالمات فيديو متقطعة تنتهي فجأة، مما يتركها معلقة بين القلق ومسؤولية رعاية شقيقتيها الصغيرتين.
تمثيليًا، حملت منة شلبي قدرًا كبيرًا من العبء الشعوري، إذ استطاعت نقل مشاعر الفقد والإنهاك الإنساني بقدر لافت من الصدق والهدوء الداخلي، فجاء أداؤها قائمًا على انفعالات ناعمة وغير صاخبة، مما منح الشخصية عمقًا إنسانيًا واضحًا، وفي المقابل، قدم إياد نصار أداءً بارعًا اعتمد على التحكم في الانفعالات الداخلية، خاصة في اللحظات التي تتأرجح فيها بين القلق والخوف على أسرته والرغبة في النجاة.
إخراجيًا، قدم بيتر ميمي صورة بصرية معبرة عن المأساة، عبر كادرات يغلب عليها الطابع الرمادي لتعكس أجواء الحرب والدمار، مع ديكور يعكس فضاء القطاع ومسرح الأحداث، واستعان بالمؤثرات البصرية لدعم الحالة النفسية للشخصيات، كما ساهم المونتاج بإيقاع متوازن يحافظ على نسق السرد، مع قدرة على الموازنة بين اللحظات الإنسانية الهادئة وطبيعة المشاهد العسكرية المشحونة بالتوتر.
أما على مستوى اللغة، فقد ميز العمل باستخدام مفردات قريبة من اللهجة الفلسطينية، مما أضفى على الحوار مصداقية وخصوصية ثقافية، وعمّق الإحساس بواقعية العالم الدرامي.
تظل القيمة الإنتاجية للعمل أحد أبرز رهانات صُنّاعه، إذ يقدم تجربة درامية تجمع بين عناصر الفرجة والإمتاع من جهة، وحضور الرسائل الإنسانية والسياسية من جهة أخرى، وقد نجح العمل في تقديم معالجة درامية محكمة مدعومة بتقنيات تنفيذ متقنة، مما جعل من «صحاب الأرض» تجربة تعيد طرح عدد من القضايا في إطار درامي معاصر يجمع بين التوثيق والرؤية الفنية.
كل ما يخص مسلسلات رمضان 2026.. اضغط هنا للدخول إلى بوابة دراما رمضان 2026.

