تعتبر العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك فرصة عظيمة يتسابق فيها المؤمنون لنيل المغفرة والعتق من النيران، ومع اقتراب هذه الأيام المباركة في عام 2026، وجهت دار الإفتاء المصرية دعوة للصائمين لاستثمار كل لحظة في العبادات المتنوعة التي تشمل جوانب اجتماعية وإيمانية عميقة.
أهمية الأعمال الصالحة في العشر الأواخر
من أبرز الأعمال التي أكدت عليها دار الإفتاء هي صلة الأرحام وحسن الجوار، حيث تلعب دورًا كبيرًا في تنقية النفوس وزيادة الرزق، بالإضافة إلى التوسعة على الأهل والأقارب تعبيرًا عن التراحم والتكافل، كما شددت الإفتاء على أهمية “الاعتكاف” لمن استطاع، و”التهجد” في جوف الليل، مع الإكثار من الذكر والدعاء والتضرع إلى الله عز وجل، إذ أن هذه الليالي تحمل ليلة الجائزة الكبرى، حيث تتنزل الملائكة والروح فيها، ويتحول العبد من حال إلى حال بفضل الإخلاص في الطاعة والاجتهاد في العبادة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يخصصها بشد المئزر وإيقاظ الأهل.
مواعيد الليالي الوترية وتحري ليلة القدر
تبدأ الرحلة الإيمانية المكثفة للعشر الأواخر من رمضان 2026 مع غروب شمس يوم الإثنين 9 مارس، حيث يدخل المسلمون فعليًا في الليلة الحادية والعشرين، وهي أولى الليالي الوترية التي يُرجى فيها التماس ليلة القدر، وتستمر هذه النفحات حتى نهاية الشهر الفضيل، ويحرص المسلمون في مصر والعالم الإسلامي على تحري الليالي الوترية (21، 23، 25، 27، 29) باعتبارها الأوقات الأقرب لموافقة ليلة القدر كما ورد في السنة النبوية المطهرة، والاجتهاد يبدأ منذ لحظة أذان المغرب إيذانًا بدخول الليلة المباركة، حيث يختلط ضجيج الأسواق بسكون المساجد وتضرع المصلين، إن تحديد هذه المواعيد يساعد المسلم على وضع جدول زمني يوازن فيه بين التزاماته الدنيوية وبين خلوته مع الخالق، خاصة وأن ليلة القدر مخفية الحكمة ليظل العبد في حالة استنفار إيماني طوال الأيام العشرة، مما يضمن له تعظيم الأجر ومضاعفة الحسنات في ميزانه يوم القيامة.
دعاء ليلة القدر المستحب
في إطار سعيها لتنوير المسلمين بأفضل صيغ التوجه إلى الله، كشفت دار الإفتاء المصرية عن دعاء ليلة القدر المستحب، وهو الدعاء الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حين سألته: “بِمَ أَدْعُو؟” فقال لها: “قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي”، ورغم بساطة هذه الكلمات السبع، إلا أنها تحمل معاني الاستسلام التام لرحمة الله وطلب الصفح الجميل، وإلى جانب هذا الدعاء المأثور، يفيض التراث الإسلامي بأدعية جامعة لخيري الدنيا والآخرة، مثل سؤال الله العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا، والدعاء بحسن الصيام والختام، وأن يجعلنا الله من السعداء والشهداء، إن ترديد هذه الأدعية بيقين في العشر الأواخر يفتح أبواب الرحمة ويشرح الصدور، خاصة عند السجود وفي الثلث الأخير من الليل، حيث يطرق السائلون أبواب الكرم الإلهي يرجون الجواز إلى ساحة الرحمة والنعمة، سائلين المولى ألا ينتهي الشهر إلا وقد غفرت ذنوبهم ورضيت عنهم الملائكة والسماء
آداب الاعتكاف والتهجد
يعتبر الاعتكاف والتهجد من أسمى صور الانقطاع للعبادة في العشر الأواخر، حيث يخلو العبد بربه بعيدًا عن صخب الحياة ومشاغلها، وقد أوضحت دار الإفتاء أن المقصود من الاعتكاف هو لزوم المسجد لطاعة الله، وهو سنة مؤكدة تهدف إلى جمع القلب على الخالق وتصفية النفس من كدورات الدنيا، وبالتوازي مع ذلك، تأتي صلاة التهجد كتاج للعبادات في هذه الليالي، حيث يصليها المسلم بعد نومة يسيرة ليقوم في وقت النزول الإلهي مناجيًا ربه، ويستحب في هذه الصلاة الإطالة في الركوع والسجود والتدبر في آيات الله، إن هذه العبادات لا تقتصر فوائدها على الأجر الأخروي فحسب، بل تمنح المسلم طاقة نفسية هائلة وقدرة على الصبر والتحمل، وتجعل من ليلة القدر حقيقة يعيشها بقلبه ووجدانه قبل أن يدركها بزمانها، مما يعزز من قيم الاستقامة والتقوى التي هي الهدف الأسمى من تشريع الصيام في شهر رمضان المبارك.
التوسعة والصدقة وفضل الجوار
لا تكتمل صورة العبادة في العشر الأواخر دون الالتفات إلى الجانب الإنساني والاجتماعي الذي أكدت عليه دار الإفتاء، فالتوسعة على الأهل والأقارب وإطعام الطعام وحسن الجوار هي من صميم أعمال البر التي يضاعف ثوابها في ليلة القدر، فالإسلام دين لا يفصل بين حق الله وحق العباد، والتقرب إلى الله في هذه الليالي بصدقة خفية أو بكلمة طيبة لجيراننا أو بصلة رحم مقطوعة قد يكون هو المفتاح لإدراك ليلة القدر، إن هذه الأعمال تنشر روح المحبة والتآخي في المجتمع المسلم، وتجعل من العشر الأواخر تظاهرة إيمانية واجتماعية شاملة، ويجب على كل صائم أن يجعل لنفسه نصيبًا من كل باب من أبواب الخير، سواء بالذكر أو الصلاة أو مساعدة المحتاجين، ليكون ممن شملتهم الرحمة والمغفرة والعتق من النار، وليدخل عيد الفطر بقلب نقي ونفس راضية مرضية بفضل الله وكرمه.

