لم تعد قاعة المحكمة في الموسم الرمضاني هذا العام مجرد ديكور تقليدي بل تحولت إلى مسرح للصراعات الإنسانية والأخلاقية، حيث تتجلى قضايا الجنايات في منصات المداولة، وتظهر محاكم الأسرة المزدحمة بآلام الانفصال، مما جعل “المحكمة” خيطًا يربط بين الأعمال الدرامية، ليس فقط كجهة للفصل في النزاعات بل كمرآة تعكس شروخ المجتمع وتساؤلاته حول مفهوم العدالة الغائبة والإنصاف المؤجل.
من الجنايات للأحوال الشخصية
يبرز هذا العنصر المكاني بقوة في مسلسل “عين سحرية”، إذ أن طرفي الصراع الدرامي هما محاميان مخضرمان، أحدهما يسعى لتطويع القانون لخدمة مصالحه، بينما يتطلع الآخر إلى تطبيق العدالة، وتُمثل المحكمة ملعبًا أساسيًا لحسم هذه المعركة، وهنا تبرز تساؤلات عديدة في ذهن المشاهدين الذين يرون أن هذا النوع من النهايات به شيء من الاستسهال، فهل كانت منصة الحكم مجرد لحظة للبحث عن الحقيقة أم أنها حل إلهي مفاجئ لقتل المنطق الدرامي والهروب من عقدة لا تزال متشابكة.
في مكتب المحامي المخضرم شهاب الصفطاوي، تبرز لوحة لتمثال العدالة في الخلفية، وتظهر رمزيتها في أحد مواجهات الحلقات الأخيرة بين شهاب وزكي غالب، حيث يستحضر زكي صورة “ربة العدالة” المعلقة خلفه على الجدار، وهو يرى أن الميزان قد يختل وأن السيف قد يكون مجرد ديكور للتهويش، لذا يقرر أن يكون هو السيف الذي يضرب بدلاً منها، وغالبًا ما يُتهم الكتاب باللجوء للمحكمة في النهاية لإنهاء الصراع لأنهم عجزوا عن حسمه بالفعل الدرامي، حيث يظهر عادةً دليل مفاجئ في اللحظة الأخيرة داخل القاعة ليقلب الموازين، وهذا من شأنه كسر المنطق الدرامي وجعل كل الصراع السابق بلا قيمة، ولكن في “عين سحرية”، المحكمة ليست حلاً مفاجئًا بل هي المواجهة الحتمية، حيث يبدأ من هذه المنصة سؤال الإنصاف أو الخذلان، الذي دفع عادل -الطرف الثالث في الصراع- للجوء لمنصات التواصل الاجتماعي لعرض القضية وإعطائها طابع قضايا الرأي العام.
على جانب آخر، تقف نهاية مسلسل “كان ياما كان” أيضًا مقربة من منصات المداولة، ولكن هذه المرة داخل أروقة محاكم الأسرة، التي باتت مسيطرة بشكل ملحوظ على المشهد الدرامي هذا الموسم، في تسلسلات درامية متكررة تفتح الباب أمام الكثير من التساؤلات، ليس فقط بخصوص مناقشة مثل هذه القضايا الحساسة بل عن توقيت طرحها بهذا الكم دفعة واحدة.
في مسلسل “كان ياما كان”، تتحول قاعة المحكمة من مكانٍ تسيطر عليه صراعات قانونية خشنة إلى ملاذ أخير أمام مأساة أسرية إنسانية، بين مصطفى، الطبيب الذي تصل علاقته بزوجته السابقة داليا إلى طريق مسدود، وتكون الضحية في النهاية هي ابنتهما فرح، التي تقف حائرة أمام القاضي وعليها إما أن تختار العيش مع أي من والديها بعد انتهاء فترة حضانتها.
في هذا العمل، لم يكن اللجوء إلى المحكمة من أجل البحث عن ثغرة قانونية أو تأمل نصرة السيف وعدالة الميزان، بل كانت محاولة لفتح جرح إنساني لن يلتئم للأبد، حيث تبوح الفتاة المراهقة بكل ما عجزت عن قوله خلال أحداث المسلسل، عن اللحظات الدافئة التي عاشتها مع والديها، وهذه المعالجة تلقي بظلالها على وظيفة المكان، فالمحكمة في “كان ياما كان” ليست مكانًا لنهاية الألم وإنزال العقاب، بل أقرب إلى جهة تقرير إداري يجب أن تفصل في اختيار إنساني كلاهما مر، قبل أن يُنهي المخرج كريم العدل مسلسله بنهاية مفتوحة على سؤالٍ لا إجابة له.
محاكم النصف الثاني
في النصف الثاني من الموسم الرمضاني، يبرز مسلسل “فرصة أخيرة” كأحد أعمدة دراما التشويق النفسي، حيث يعيد صياغة “دراما المحاكم” من منظور إنساني وقانوني، يتناول العمل قصة القاضي “يحيى الأسواني”، الذي يجد ثباته المهني على المحك حين تتقاطع حياته الشخصية مع قضية مقتل “فتاة المنصورية” الغامضة، ولا يتوقف المسلسل عند حدود قاعات المحاكم، بل يغوص في كواليس العدالة من خلال صراع “تكسير عظام” بين الأسواني وخصمه “بدر أباظة”، في مباراة تمثيلية تعتمد على الأسرار القديمة والمساومات التي تضع نزاهة القضاء في مواجهة مباشرة مع أخطاء الماضي.
وفي سياق درامي موازٍ، ينسج المسلسل خيوطًا معقدة تربط بين جهات التحقيق والروابط العائلية، حيث تتصاعد حدة التوتر مع سعي المقدم “حازم” لفك طلاسم الجريمة التي هزت عائلة “حنان سليمان”، بالتزامن مع محاولاته للارتباط بـ “دلال” ابنة القاضي يحيى الأسواني، هذا التشابك يضع الشخصيات أمام اختبارات أخلاقية صعبة، ويجعلها مرآة لتحديات العدالة في مواجهة النفوذ والعاطفة.
أما مسلسل “أب ولكن”، فيُعيد تسليط الضوء على قضايا محاكم الأسرة الشائكة والمنتشرة بكثرة هذا الموسم، حيث يجسد الفنان محمد فراج شخصية “أدهم”، الأب الذي يخوض معركة قانونية مع طليقته لتتجاوز حدود الخلافات التقليدية وتصل إلى اتهامات باختطاف الطفلة، وذلك في إطار رحلة يخوضها لرؤية ابنته بعد الانفصال.
يطرح العمل تساؤلات حول “قانون الرؤية”، التي تابعنا آثارها في النصف الأول من الموسم الرمضاني من خلال مسلسل “كان ياما كان”، والقيود التي تفرضها النزاعات القضائية على العلاقة الإنسانية بين الأب وأبنائه، مبرزًا المعاناة التي يعيشها الآباء في دهاليز المحاكم حين يتحول حق الرؤية إلى وسيلة للضغط وتصفية الحسابات الشخصية.

