يعتبر الدعاء في شهر رمضان المبارك من أعظم العبادات التي يتقرب بها العبد إلى ربه، حيث يمثل صلة الوصل الروحية التي تفتح أبواب السماء وتستنزل الرحمات والبركات على الصائمين القائمين، وقد أكد النبي “صلى الله عليه وسلم” في أحاديث كثيرة على أهمية اغتنام ساعات الصيام والقيام في التضرع إلى الله عز وجل، لما يحمله الدعاء في هذا الشهر الكريم من أجر مضاعف واستجابة قريبة، ومع حلول اليوم الثامن عشر من رمضان، نجد مجموعة من الأدعية المستحبة التي ثبتت عن الصحابة والتابعين، والتي يحرص المسلمون على ترديدها طلبًا للمغفرة والعتق من النيران، خاصة ونحن في الأيام الأخيرة من عشر المغفرة، مستعدين لاستقبال العشر الأواخر بقلوب طاهرة ونفوس مطمئنة بذكر الله.
دعاء اليوم الثامن عشر
ورد في المأثور عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وآله، دعاء مخصص لليوم الثامن عشر يحمل معاني عميقة في طلب التوفيق الإلهي، ونص الدعاء هو: “اللهم افتح لي أبواب الجنان، وأغلق عني أبواب النيران، ووفقني فيه لتلاوة القرآن، يا منزل السكينة في قلوب المؤمنين”، إن هذا الدعاء يجمع بين غاية الآمال وهي دخول الجنة، وبين أهم وسيلة للوصول إليها وهي تلاوة القرآن الكريم بتدبر وتوفيق، كما ينتهي بالتوسل بصفة السكينة التي يحتاجها المؤمن في خضم مشاغل الحياة، ليبقى قلبه معلقًا بخالقه، صامدًا أمام تقلبات الدنيا بفضل الثبات الإلهي الذي يمنحه الله لعباده المخلصين في هذا الشهر الفضيل
ثواب وأجر الدعاء
هذه الفضائل العظيمة تجعل من دعاء اليوم الثامن عشر كنزًا لا ينبغي للمسلم أن يفرط فيه، بل عليه أن يلهج به لسانه طوال اليوم، متذكرًا سعة رحمة الله وفضله الذي لا يحده حد.
أدعية المغفرة والرحمة
إلى جانب الدعاء المخصص لهذا اليوم، توجد باقة من الأدعية المستحبة التي تفيض بالرجاء، ومنها: “اللهم اجعل لي نصيبًا من كل خير تنزل فيه، بجودك يا أجود الأجودين، وأذقني فيه حلاوة ذكرك، وأداء شكرك، واحفظني فيه بحفظك يا أرحم الراحمين”، كما يدعو المؤمن ربه قائلًا: “اللهم اجعلني فيه من عبادك الصالحين القانتين المستغفرين المقربين، واجعلني فيه من المتوكلين عليك الفائزين لديك، وزحزحني فيه عن موجبات سخطك، وأعني على صيامه وقيامه بتوفيقك يا هادي المضلين”، هذه الكلمات تعبر عن استكانة العبد لخالقه واعترافه بالتقصير، مع الأمل الكبير في نيل الرضا والقبول والحفظ من المعاصي والآفات
أدعية تطهير القلوب
يحرص الصائمون في اليوم الثامن عشر على ترديد أدعية تطلب الصفاء القلبي ومرافقة الصالحين، فيقول الداعي: “اللهم قربني إليك برحمة الأيتام، وإطعام الطعام، وإفشاء السلام، وصحبة الكرام، اللهم حبب إلي الإحسان، وكره إلي الفسوق والعصيان، وحرم علي سخطك والنيران بعونك يا غياث المستغيثين”، إن التوجه إلى الله بطلب كراهية المعصية وحب الإحسان هو لب العبادة وجوهر التغيير الذي يهدف إليه صيام رمضان، حيث يتخرج المسلم من مدرسة الصيام وقد طهر قلبه من العيوب وامتحن بالتقوى، ليصبح أكثر قربًا من ربه وأكثر نفعًا لخلقه، متبعًا سنة خاتم الأنبياء في كل حركاته وسكناته
رجاء العتق والقبول
وفي سياق طلب السلامة من العثرات، يدعو المؤمن بقلب خاشع: “اللهم لا تؤاخذني فيه بالعثرات، وأقلني فيه من الخطايا والهفوات، ولا تجعلني فيه غرضًا للبلايا والآفات، واشرح وأمن به صدري بأمانك يا أمان الخائفين”، كما يتطلع المسلم في هذا اليوم إلى دار القرار، فيناجي ربه: “اللهم وفقني فيه لموافقة الأبرار، وجنبني فيه مرافقة الأشرار، وآوني فيه برحمتك إلى دار القرار، واهدني فيه لصالح الأعمال، واقض لي الحوائج والآمال”، إن هذه الأدعية الشاملة تسأل الله خير الدنيا والآخرة، وتؤكد على ضرورة الاستعاذة من مرافقة السوء والتمسك بطريق الأخيار الذين رضي الله عنهم وأرضاهم
الاستعداد لليلة القدر
ومع اقترابنا من الثلث الأخير من الشهر، تبدأ الأدعية في التركيز على ليلة القدر، فيسأل العبد ربه: “اجعل اللهم سعيي فيه مشكورًا، وذنبي فيه مغفورًا، وعملي فيه مقبولًا، وعيبي فيه مستورًا، وارزقني فيه فضل ليلة القدر، وصير فيه أموري من عسر إلى يسر”، ويختم المسلم تضرعه بطلب الستر والرحمة: “اللهم غشني فيه بالرحمة، وارزقني التوفيق والعصمة، وطهر قلبي يا من لا يشغله إلحاح الملحين”، إن الإلحاح في الدعاء بقلب حاضر هو مفتاح الإجابة، وما أجمل أن يختم الصائم يومه الثامن عشر وهو يرجو طهارة القلب وعصمة النفس، واثقًا في أن الله تعالى يسمع نداءه ويجيب رجاءه في هذه الأيام المباركة

