من المبكر عادةً الحكم على مسلسل أو أي عمل درامي في حلقاته الأولى، فالأعمال الفنية تحتاج إلى وقت لتكشف عن عالمها وتوازناتها السردية، كما أن الحكم المبكر قد يكون متعجلًا، لكن بعض الأعمال تفرض منذ بدايتها لحظة تأمل تستحق التوقف عندها، ليس لإصدار حكم نهائي، بل لالتقاط إشاراتها الأولى.
مسلسل “اللون الأزرق”
هذا ما يحدث مع مسلسل “اللون الأزرق” للمخرج سعد هنداوي وتأليف الكاتبة مريم نعوم، حيث يلفت الانتباه منذ العنوان، فالعنوان هنا ليس مجرد تسمية، بل مفتاح دلالي، فاللون الأزرق في الثقافة البصرية المعاصرة يمثل الرمز العالمي للتوحد، وهو اختيار يبدو واعيًا من صناع المسلسل للتعبير عن الحالة التي يطرحونها، فالأزرق يعكس الهدوء والثقة والدعم والأمل في حكاية محاطة بالتوتر.
هذا التوتر بين السكينة والعزلة ينعكس بوضوح على الحكاية التي ينسجها المسلسل حول أسرة تعود إلى مصر بعد انتهاء عمل الأب في الخارج، لتجد نفسها أمام معركة يومية تتمثل في محاولة توفير حياة طبيعية لطفل مصاب بطيف التوحد في مجتمع لم يعتد بعد على فهم اختلافه.
الاغتراب العكسي
هنا يبرز مفهوم “الاغتراب العكسي”، فالأسرة التي عادت من غربتها المكانية وجدت نفسها في “غربة اجتماعية” داخل وطنها الأم بسبب عدم قدرة البيئة المحيطة على استيعاب “النمط العصبي المختلف”، هذا الصدام يحوّل البيت إلى جزيرة زرقاء معزولة تحاول الصمود أمام أمواج مجتمع يرفض الخروج عن القوالب السائدة.
منذ اللحظات الأولى، يسعى المسلسل إلى صنع نوع من الموازنة بين السرد الدرامي والبعد التوعوي، حيث يدرك سعد هنداوي تأثير الصورة في سرد الحكاية، فاللون الأزرق لا يظل في حدود العنوان، بل يتسلل إلى تفاصيل المشهد في الديكور والإضاءة وأحيانًا في الملابس والإكسسوارات، كأن العالم المحيط بالطفل “حمزة”، بطل الحكاية، يعاد تشكيله بصريًا وفق طيف لوني يعبر عن حالته النفسية أو عن المساحة الآمنة التي يحاول والداه توفيرها له، مما يسلط الضوء على حساسية الطفل تجاه العالم.
السيميولوجيا البصرية
إننا هنا بصدد دلالات صريحة من “سيميولوجيا بصرية” ملحوظة، حيث لا يعمل اللون الأزرق فقط كرمز طبي، بل كعازل درامي يحمي الشخصية من ضجيج العالم الخارجي، ويبدو أن المخرج سعد هنداوي يستبدل “الحوار اللفظي” بـ “اللغة البصرية”، مما يجعل المشاهد يشعر بالاختناق أو الراحة تمامًا كما يشعر البطل الصغير، وتصبح التفاصيل الصغيرة مثل طريقة ترتيب الأشياء والحساسية تجاه الأصوات والميل إلى الأشكال المتماثلة جزءًا من بناء الشخصية وليس مجرد معلومات طبية عن التوحد.
لا أستطيع عند الحديث عن سعد هنداوي تجاهل استدعاء أحد أفلامه المبكرة، وهو فيلم “ألوان السما السابعة” الذي أخرجه في العام 2007، حيث كان يحمل ملمحًا صوفيًا واضحًا في رؤيته للعالم والعلاقات الإنسانية، بينما مسلسل “اللون الأزرق” أقرب إلى دراما اجتماعية واقعية، ولا توجد مقارنة مباشرة بين العملين، فالفارق في الموضوع والبناء واضح، لكن مجرد استدعاء فكرة الألوان في العنوان يخلق خيطًا رفيعًا بين تجربتين يفصل بينهما ما يقرب من عقدين.
خاتمة
على أية حال، يصعب الجزم بمصير عمل درامي من حلقاته الأولى، لكن “اللون الأزرق” ينجح حتى الآن في طرح قضية حساسة بقدر من الهدوء والاهتمام بالتفاصيل الإنسانية، بعيدًا عن الميلودراما الصاخبة، وإذا حافظ العمل على هذا التوازن بين البعد الإنساني والوعي البصري، فقد يتحول إلى تجربة درامية تستحق المتابعة، ليس فقط بوصفها حكاية عن طفل مختلف، بل أيضًا كمرآة لمجتمع ما زال يتعلم كيف يرى الاختلاف.

