الحلقة الأخيرة من مسلسل صحاب الأرض شكلت نهاية درامية عميقة، حيث عبرت عن واقع مؤلم لم ينتهِ بعد، وتمكنت من أن تمشي بالمشاهد بين حافتين، الأولى حزن على مدينة فقدت شبابها وأهلها، والثانية إصرار على أن الحياة تجد طريقها رغم كل المعوقات.

منذ البداية، يتضح أن المخرج بيتر ميمي لا يكتفي بصنع مشاهد، بل يصنع لوحات فنية، حيث تم تصميم الكادرات بعناية فائقة، مع إيقاع بصري ودرامي يتواصل بسلاسة، بينما الموسيقى تعبر عن مشاعر الشخصيات في اللحظات المناسبة، حتى الصمت كان جزءًا من هذه التجربة الفنية، ما جعل العمل يبدو كاحتراف حقيقي يبرز الحكاية ويمنح الممثلين مساحة للتعبير عن آلامهم.

أصعب ما في المسلسل هو اقترابه من جرح لم يلتئم بعد، إذ لم نشاهد أحداثًا بعيدة، بل شهدنا ما عايشناه على شاشات التلفاز، فالدراما هنا تبرز تفاصيل إنسانية عميقة، حيث نرى الأم التي تحتفظ بمفتاح بيتها، والأب الذي تاه عقله، والطفل الذي يسعى فقط للعب، مما يبرز الحق في الحياة دون أي خطاب مباشر.

في قلب هذه النهاية، نجد شخصية الطبيبة المصرية سلمى، التي تجسدها منة شلبي، حيث تبدأ رحلتها من فقدان ابنها، مما يؤدي بها إلى حالة من اليأس، لكنها في المشهد الأخير، ومع عودتها إلى مصر، تدرك أنها لا تزال تواصل دورها، فتشرق ملامح وجهها، حيث تهمس للفلسطيني ناصر بجملة تحمل الكثير من الأمل.

أما ناصر، الذي قام بدوره إياد نصار، فقد كان يمثل صورة الإنسان الفلسطيني المنهك، الذي لم يهتم بمظهره، بل كان يعكس الألم الداخلي، وعندما استعاد بعض الاتزان، شعر أنه يستعيد إيمانه بأن البقاء يعد بطولة بحد ذاته.

لكن البطولة الحقيقية، كما أرادتها الحلقة، تجسدت في مشهد الطفل يونس، الذي نجا وعاد إلى شوارع غزة، حيث كان يركل الكرة بين الأنقاض، مسجلاً هدفًا، بينما يرتدي قميص النادي الأهلي، والذي أصبح رمزًا للفرح وللترابط بين الشعبين.

فانلة الأهلي لم تكن مجرد تفصيل عابر، بل كانت عنوانًا للبهجة، حيث تحول القميص الأحمر إلى علمٍ صغير للحياة، وطفل يلعب، وهذا وحده يكفي لمواجهة فكرة الإبادة، حيث يركض ويقول للعالم: لي حق في الشارع، في اللعب، في الغد

ثم تأتي أغنية “طاير يا هوا” بصوت محمد رشدي، لتكمل المعنى، حيث يتحول الغناء إلى مقاومة ناعمة، ويعكس بهجة مصرية قديمة تعانق سماء غزة المثقلة بالدخان، بينما تظهر على الشاشة عبارة تقول: لم ينتهِ القصف… لن تنتهي الحياة، لتؤكد قسوة الواقع، لكنها ترفض أن تمنحه الكلمة الأخيرة

لم يكن مسلسل “صحاب الأرض” مجرد سرد لجرائم الحرب الإسرائيلية، بل كان في جوهره عن الإنسان الفلسطيني الذي يصنع الحياة ويدافع عنها، حيث يعكس معنى جديدًا للبطولة، يتمثل في القدرة على إنقاذ طفل، أو تضميد جرح، أو قول “اطمئنوا”، أو العودة لبناء المنزل طوبة طوبة، وبعد 14 حلقة، تنتهي الدراما، لكن الواقع لا يضع تترات نهاية، لذا كانت الحلقة الأخيرة وثيقة وجدانية مفتوحة، تعبر عن قصص حقيقية لن تظل مجرد شخصيات على الشاشة.

كانت لفتة جميلة أن يُختتم المسلسل بالفيلم التسجيلي “مفتاح العودة”، حيث يتحدث الأبطال الحقيقيون الذين نجوا من الإبادة، فالمفتاح يصبح وثيقة حياة، شاهداً على بيت لم يُنسَ، وعلى أرض لم تُترك، مما يؤكد أن الذاكرة مقاومة، وأن من نجا ليحكي لم ينجُ عبثًا، لتكتمل الدائرة: لم ينتهِ القصف… ولن تنتهي الحكاية، ما دام هناك من يتمسك بالمفتاح، ويصر على أن باب العودة سيفتح يومًا