لا يزال تأثير الأحداث الأخيرة من مسلسل “صحاب الأرض” حاضرًا في ذهني وقلبي، إذ تحولت هذه الأحداث الواقعية إلى عمل درامي مبدع بفضل حبكة درامية محكمة ورؤية إخراجية محترفة، فمنذ سنوات لم أشاهد ملحمة درامية بهذا الوعي الفني الذي نجح في توظيف جميع الأدوات الدرامية لتجسيد الحقيقة، ولكن مع جرعات من الألم تم ضبطها بدقة لتظهر بهذا الشكل المؤثر.

طرحت تساؤلات حول كيفية نجاح بيتر ميمي وفريق العمل في تجسيد واقع الحرب بهذه الصورة التي تخلو من المشاهد الموجعة التي قد لا يتحملها الجمهور، حيث تم ذلك تقديرًا لأهل غزة وللمشاهدين أيضًا، وقد جاء ذلك نتيجة حسابات دقيقة كأنها معادلة كيميائية تم ضبط عناصرها بحساسية مركزة.

تجسيد واقع غزة بعد فترة قصيرة من انتهاء الحرب يعد تحديًا كبيرًا، فبعض المبدعين يحتاجون إلى وقت طويل لتوثيق الأحداث بعد مرور فترة كافية عليها، وفي هذه الحالة، القضية تعكس وطنًا وأمة عربية، مما يتطلب التعاطي معها بحذر شديد، حيث قد يلاحق الخطأ في التناول صناع العمل لفترة طويلة، لذا كانت المغامرة هي المحرك الأساسي لتنفيذ هذا العمل الذي اتفقت كل عناصره الفنية على نجاحه.

في مسلسل “صحاب الأرض”، رغم تناول قضية عربية لا تزال تمثل جرحًا في قلوب العرب، إلا أن النجاح لا يقتصر على القصة فقط، فمهما كانت قوة القصة وتأثيرها على الجمهور، يبقى التناول وآلية السرد من العناصر المؤثرة في معادلة النجاح، وقد نجح عمار صبري في تقديم لمسة فنية مميزة بفضل محمد هشام عبية، إذ يعد السرد المحكم بحبكة قوية أحد أسرار النجاح، لكن تأتي المرحلة الأكثر تعقيدًا في كيفية تحويل هذا السيناريو إلى مشاهد تنقل روحه للجمهور، وهنا يظهر دور بيتر ميمي، الذي سيظل هذا العمل نقطة مضيئة في تاريخه الفني.

استطاع بيتر ميمي توظيف أدواته الإخراجية لتكوين صورة عن الحرب تجمع بين الواقعية والإبداع، حيث استغل كل تفصيلة داخل الكادر للتعبير عن وجع غزة، وقد استخدم رمزية قوية في العلاقات بين الأبطال، مثل علاقة سلمى وناصر التي شعرت للحظة أنها ليست مجرد علاقة بين دكتورة ونازح فلسطيني، بل كانت تجسيدًا لعلاقة بين وطنين، أحدهما تمزق بسبب انتهاكات الاحتلال بينما يسعى الآخر لمساندته مهما كان الثمن، وهذا ما تجلى في المشهد الأخير بين ناصر وسلمى قبل مغادرتها غزة، حين قالت له “اطمن إحنا مش بعيد”.

الأحداث الأخيرة من مسلسل “صحاب الأرض” جاءت واقعية للغاية، فرغم أهوال الحرب، لا يزال هناك أمل في الحياة، ورغم الشعور بالعجز والفقد والألم، يبقى هناك شعب صامد يرغب في الحياة.