كشفت التقارير الاستخباراتية المسربة مؤخرًا عن تفاصيل اللحظات الحرجة التي سبقت اندلاع المواجهة العسكرية المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران في فبراير 2026، حيث تبين أن مكالمة هاتفية واحدة كانت كفيلة بتغيير مسار التاريخ الحديث.
بينما كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يدرس خياراته العسكرية والدبلوماسية تجاه طهران دون تحديد سقف زمني حاسم، تلقى اتصالًا هاتفيًا سريًا من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الثالث والعشرين من فبراير، وقد وصفت مصادر مطلعة هذه المكالمة بأنها “اللحظة المحورية” التي أشعلت فتيل الحرب.
ووفقًا لما نقله موقع “أكسيوس” الأمريكي عن مصادر من داخل البيت الأبيض، فإن نتنياهو أبلغ ترامب بمعلومات استخباراتية وصفت بالذهبية، تفيد بأن المرشد الإيراني علي خامنئي وكبار مستشاريه العسكريين والسياسيين يخططون للاجتماع في موقع واحد محدد في العاصمة طهران صباح يوم السبت، مؤكدًا لترامب أن هذه الفرصة قد تتيح القضاء على القيادة الإيرانية العليا بضربة جوية واحدة مدمرة، مما جعل الهدف مغريًا لدرجة لا يمكن تجاهلها من قبل الإدارة الأمريكية الطامحة لإنهاء التهديد الإيراني بشكل جذري.
إن هذه المكالمة التي جرت من غرفة العمليات بالبيت الأبيض، ولم يتم الكشف عن تفاصيلها إلا مؤخرًا، تجيب عن السؤال الجوهري الذي طرحه المحللون السياسيون حول توقيت الهجوم المفاجئ، حيث كان ترامب يميل بالفعل لتوجيه ضربة قوية لإيران ردًا على استفزازاتها المتكررة، لكنه كان يفتقر إلى “الهدف الاستراتيجي” الذي يبرر مغامرة عسكرية بهذا الحجم.
جاءت معلومات الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية لتقدم له هذا الهدف على طبق من ذهب، حيث أكدت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي آي إيه) بتوجيه مباشر من ترامب صحة المعلومات الإسرائيلية، ومن هنا بدأت الاستعدادات تتسارع بشكل جنوني، حيث قرر ترامب المضي قدمًا في العملية لكنه اختار بذكاء تأجيل التنفيذ لحين الانتهاء من إلقاء خطاب حالة الاتحاد، في محاولة متعمدة منه لعدم إثارة ذعر القيادة الإيرانية أو إجبارها على الاختفاء، ممارسًا أعلى درجات “التمويه السياسي” لضمان بقاء الأهداف في موقعها حتى ساعة الصفر.
فشل الدبلوماسية وساعة الصفر
بالتوازي مع التحضيرات العسكرية، كانت هناك قنوات دبلوماسية لا تزال تحاول نزع فتيل الأزمة، حيث قاد مبعوثا ترامب، جاريد كوشنر وستيف ويتكوف، محادثات شاقة في جنيف مع مسؤولين إيرانيين.
إلا أن التقارير الواردة من جنيف يوم الخميس كانت حاسمة وقاطعة، حيث أبلغ المبعوثان الرئيس ترامب بأن المفاوضات وصلت إلى طريق مسدود تمامًا، وأن الجانب الإيراني غير مستعد لإبرام أي اتفاق يلبي الطموحات الأمريكية أو يضمن أمن المنطقة، هذا التقرير الدبلوماسي، جنبًا إلى جنب مع تأكيدات وكالة الاستخبارات المركزية بأن جميع قادة الصف الأول الإيرانيين سيكونون معًا في الموقع المحدد، حسم الأمر نهائيًا في مخيلة ترامب، ففي تمام الساعة 3:38 مساءً بتوقيت شرق الولايات المتحدة يوم الجمعة، أصدر ترامب أمره النهائي للقوات الجوية، وبعد مرور 11 ساعة فقط، كانت القنابل الذكية تسقط فوق طهران محولةً مقر الاجتماع إلى حطام، مما أدى لمقتل المرشد خامنئي وحاشيته وبدء العمليات الحربية الشاملة
لقد كشفت هذه الأحداث عن حجم التنسيق المكثف وغير المسبوق بين ترامب ونتنياهو، حيث تحدثا هاتفيًا أكثر من 15 مرة خلال الشهرين السابقين للحرب.
ورغم أن ترامب حاول استنفاد كافة المسارات الدبلوماسية أولًا، إلا أن الضغط الإسرائيلي المستمر والمعلومات الاستخباراتية الدقيقة لعبت الدور الأكبر في تسريع الجدول الزمني للعملية، حيث كانت الخطط الأمريكية الأصلية تميل لتوجيه الضربة في أواخر مارس أو أوائل أبريل لبناء دعم شعبي وتأمين الرعايا الأمريكيين، لكن نتنياهو ضغط للتحرك السريع محذرًا من أن قادة المعارضة الإيرانية الذين يحتمون في منازل آمنة معرضون لخطر التصفية الوشيكة على يد النظام، مما وضع الإدارة الأمريكية في مأزق لوجستي أدى لفشل خطط الإجلاء الطارئة لمواطنيها في المنطقة، والذين وجدوا أنفسهم تحت نيران الضربات الانتقامية الإيرانية التي طالت عدة دول مجاورة فور وقوع الهجوم.
تبريرات واشنطن وتداعيات الحرب
في أعقاب الهجوم، واجهت الإدارة الأمريكية انتقادات حادة بسبب ما اعتبره البعض “انجرافًا” وراء الرؤية الإسرائيلية، وهو ما حاول وزير الخارجية ماركو روبيو نفيه بشدة، مؤكدًا أن العملية كانت ضرورية للأمن القومي الأمريكي ولم تكن مجرد استجابة لضغوط تل أبيب، حيث أوضح روبيو أن توقيت نهاية الأسبوع شكل “فرصة فريدة” للقضاء على تهديد وجودي، وأن التأخير كان سيضيع فرصة استراتيجية قد لا تتكرر.
ومن جهته، نفى السفير الإسرائيلي في واشنطن، يحيئيل ليتر، أي تلميحات بالتحريض، مشددًا على أن البلدين يتفقان تمامًا على الخطر الإيراني وأن التنسيق كان مبنيًا على رؤية مشتركة لحماية “العالم الحر”، ورغم محاولات التبرير، أقر مسؤولون أمريكيون بأن السرعة الفائقة للعملية منعت البيت الأبيض من تهيئة الحجج العامة بشكل أمثل، مما جعل الخطاب السياسي للإدارة يبدو متضاربًا في الأيام الأولى للنزاع.
أما الرئيس ترامب، فقد دافع بصلابة عن قراره، رافضًا فكرة كونه قد نُفذ بتوجيه من نتنياهو، بل ذهب إلى أبعد من ذلك بالقول إنه كان مقتنعًا بأن إيران كانت على وشك شن هجوم كبير، وأنه ربما يكون هو من دفع إسرائيل لاتخاذ هذا الموقف الهجومي.
إن الحرب التي بدأت في فبراير 2026 لم تكن مجرد مواجهة عسكرية، بل كانت نتاجًا لأشهر من “الرقص على حافة الهاوية” بين التفاوض والتخطيط العسكري المشترك، واليوم، بينما تستمر العمليات القتالية وتتزايد عمليات الإجلاء الطارئة للأمريكيين من المنطقة، تظل مكالمة 23 فبراير شاهدًا على كيف يمكن للمعلومات الاستخباراتية عندما تلتقي بالإرادة السياسية الصلبة أن تعيد رسم خرائط القوى العالمية وتنهي عقودًا من العداء بضربة واحدة خاطفة، تاركةً العالم أمام واقع جديد مليء بالغموض والتحديات الجيوسياسية.

