رحلة المنتخب الفرنسي بين عامي 2006 و2022 تمثل ملحمة كروية استثنائية، حيث انتقلت فرنسا من مأساة برلين إلى مجد الدوحة، وعاشت انهيارًا ثم نهضة، وحولت العار إلى قوة وصاغت هوية تميزها المرونة.
سقوط العمالقة في برلين
شهدت فرنسا عام 2006 أكبر سقوط لها في نهائي كأس العالم ببرلين، حيث كانت نهاية وحشية لعصر ذهبي، وتجمدت صورة زين الدين زيدان وهو يتلقى بطاقة حمراء أمام كأس العالم، هذه الهزيمة المأساوية جاءت بعد استفزاز من ماركو ماتيراتزي، مما أدى إلى انهيار الفريق الفرنسي وخسارته بركلات الترجيح، وترك الحادثة فراغًا هائلًا في القيادة وبذرت بذور هزائم مستقبلية.
انهيار كنيسنا والفضيحة
فترة ما بعد 2006 شهدت تدهورًا بطيئًا، وبلغت ذروتها في فضيحة كأس العالم 2010 بجنوب أفريقيا، حيث اندلع شجار بين نيكولاس أنيلكا والمدرب مما أدى إلى طرده، وتطور الأمر إلى تمرد اللاعبين الذين رفضوا مغادرة حافلة التدريب، أدت هذه الأزمة المؤسسية إلى خروج فرنسا من الدور الأول، وجعلت المنتخب أضحوكة عالمية ورمزًا للخلل والأنانية.
نهضة مستحيلة وديشان المهندس
ورث لوران بلان فريقًا منهكًا، لكنه واجه عاصفة “فضيحة الحصص”، نجح بلان في تثبيت الفريق لكنه لم يقده نحو القمة، وفي عام 2012 تولى ديدييه ديشان المسؤولية، بأسلوبه العملي أعاد ديشان بناء الفريق مركزًا على التماسك والصلابة، ورفض كرة القدم الجميلة لصالح فريق يصعب هزيمته.
اختبار الصمود وقمة البراغماتية
بطولة أمم أوروبا 2016 التي استضافتها فرنسا شهدت ضغطًا هائلًا، استبعد ديشان لاعبين غير منضبطين وقاد الفريق بحزم، على الرغم من الوصول إلى النهائي خسرت فرنسا أمام البرتغال، لكن على عكس عام 2006 لم تؤد هذه الهزيمة إلى انهيار الفريق بل أظهرت قوته الذهنية والمرونة، كأس العالم 2018 في روسيا كانت تتويجًا لأسلوب ديشان، حيث قدمت فرنسا أداءً تكتيكيًا معتمدة على الدفاع المحكم والهجمات المرتدة السريعة، الفوز باللقب كان ثمرة جهود ديشان وشهادة على أن الفريق الموحد قادر على التفوق.
التعامل مع الوضع الجديد واكتمال الدائرة
انتصار 2018 كان نتيجة لنظام تطوير استثنائي، بفضل قاعدة مواهب لا مثيل لها استطاعت فرنسا تحمل خسارة لاعبين عالميين، برز كيليان مبابي كموهبة واعدة وقائد لا يُنازع وسجل ثلاثية في نهائي كأس العالم 2022، أثبتت هذه الحقبة أن المرونة ورفض الهزيمة هما السمة الأبرز، يُعد ديشان مهندسًا حول فريقًا يعاني من انهيار أخلاقي إلى قوة عالمية، مع اقتراب رحيله يلوح اسم زيدان كخيار طبيعي لخلافته، ليكتمل بذلك سداسي عشر عامًا من الفوضى إلى إعادة البناء.

