أكدت صحيفة “الجارديان” البريطانية أن قطاع الطيران العالمي يواجه واحدة من أصعب أزماته في العصر الحديث حيث لا يزال مئات الآلاف من المسافرين عالقين في المطارات حول العالم نتيجة إغلاق محاور جوية استراتيجية في منطقة الشرق الأوسط.

تأتي هذه الاضطرابات كواحدة من التداعيات المباشرة للهجوم الأمريكي الإسرائيلي الأخير على إيران مما دفع سلطات الطيران المدني في عدة دول إلى اتخاذ قرارات فورية بتعليق الرحلات أو تغيير مساراتها لضمان سلامة الركاب وهو ما أدى بدوره إلى حالة من الفوضى اللوجستية التي امتدت آثارها من أقصى الشرق في بالي إلى قلب أوروبا في فرانكفورت.

لم تقتصر الأزمة على النطاق الإقليمي فحسب بل تحولت إلى معضلة دولية عابرة للقارات حيث كشفت البيانات الرسمية عن إلغاء ما يقرب من 1239 رحلة جوية في وقت مبكر من صباح يوم الاثنين وحده شهدت كبريات شركات الطيران في المنطقة، وفي مقدمتها طيران الإمارات بمقرها في دبي والاتحاد للطيران في أبوظبي والخطوط الجوية القطرية في الدوحة إلغاء مئات الرحلات مجتمعة مما وضع ضغوطًا هائلة على مراكز العمليات الجوية ومكاتب الحجز التي تحاول جاهدة إيجاد بدائل لمسافرين تقطعت بهم السبل في ظل ظروف جيوسياسية متقلبة ومعقدة.

امتدت موجة الإلغاءات لتشمل شركات طيران كبرى بعيدة عن مركز الصراع المباشر حيث أعلنت الخطوط الجوية الهندية إلغاء رحلاتها المغادرة من مطارات دلهي ومومباي وأمريتسار والتي كانت متجهة إلى مدن رئيسية في أوروبا وأمريكا الشمالية يعكس هذا التوقف المفاجئ في حركة الملاحة مدى اعتماد خطوط الطيران الدولية على المسارات الجوية فوق الشرق الأوسط كنقطة وصل حيوية مما يثبت أن أي اضطراب أمني في هذه المنطقة الحساسة يترجم فورًا إلى تعطيل شامل لسلاسل التوريد وحركة الأفراد عالميًا ويزيد من تكاليف التشغيل نتيجة اللجوء لمسارات أطول وأكثر استهلاكًا للوقود.

على الصعيد المالي لم تكن أسواق المال بمنأى عن هذه الصدمة إذ سجلت أسهم شركات الطيران الكبرى تراجعات حادة تعكس قلق المستثمرين من استمرار الأزمة وتأثيرها على الأرباح السنوية فقد تراجعت أسهم الخطوط الجوية اليابانية بنسبة 5.6% وانخفضت أسهم الخطوط الجوية السنغافورية بنسبة 4.5% بينما لحقت بها خطوط كانتاس الجوية بتراجع قدره 5.4% وكاثاي باسيفيك بنسبة 2.9% هذه الأرقام تعطي مؤشرًا واضحًا على حجم الخسائر السوقية التي مني بها القطاع في غضون ساعات قليلة من بدء التصعيد العسكري مما يضع ضغوطًا إضافية على اقتصاديات النقل الجوي التي كانت تحاول التعافي من أزمات سابقة.

عند النظر إلى الأرقام الإحصائية التي وفرتها منصة التتبع العالمي FlightAware يتضح حجم الكارثة الجوية بشكل أكبر حيث تم رصد إلغاء ما يقرب من 2800 رحلة جوية يوم السبت الماضي تلاها إلغاء 3156 رحلة جوية يوم الأحد تشير هذه الوتيرة المتصاعدة من الإلغاءات إلى أن شركات الطيران باتت غير قادرة على التنبؤ بسلامة الأجواء في المدى القصير مما اضطرها لتعليق العمليات بشكل شبه كامل في العديد من المسارات الحيوية وهو ما تسبب في تكدس عشرات الآلاف من المسافرين داخل صالات الانتظار وسط حالة من الترقب والقلق حول موعد استئناف الملاحة الجوية.

في تحليل لواقع الحال صرح هنري هارتفيلدت محلل صناعة الطيران ورئيس مجموعة أبحاث أتموسفير بأنه لا يوجد مجال لتجميل الحقيقة المرة التي يواجهها المسافرون اليوم مشددًا على ضرورة الاستعداد لمزيد من التأخيرات أو الإلغاءات خلال الأيام القليلة القادمة مع تطور الأحداث الميدانية أشار هارتفيلدت إلى أن تعافي الجدول الزمني للرحلات قد يستغرق وقتًا طويلًا حتى بعد انتهاء العمليات العسكرية نظرًا للتعقيدات المرتبطة بإعادة توزيع الأطقم الفنية والطائرات آملًا أن تنتهي هذه الهجمات قريبًا لتقليل الضرر الذي أصاب حركة النقل الجوي العالمي في مقتل.

يظهر جليًا أن الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على إيران قد أحدثت ثقبًا كبيرًا في منظومة النقل الجوي الدولي ولم تعد الأزمة محصورة في كونها نزاعًا سياسيًا فحسب بل تحولت إلى تحدٍ لوجستي وإنساني يمس حياة ملايين البشر الذين يعتمدون على الطيران كأداة أساسية للتنقل والعمل إن بقاء عشرات الآلاف من المسافرين عالقين في مطارات العالم هو تذكير صارخ بمدى هشاشة الترابط العالمي أمام العواصف السياسية والعسكرية مما يتطلب تضافرًا دوليًا لتأمين ممرات جوية بديلة تضمن استمرارية الحركة في مثل هذه الظروف الطارئة.