شهدت الساحة اللبنانية في الساعات الأخيرة تطورات دراماتيكية متسارعة وضعت البلاد على حافة مواجهة عسكرية شاملة لم تشهدها منذ سنوات طويلة حيث تفجرت الأوضاع ميدانيًا عقب سلسلة من الضربات الجوية الإسرائيلية التي استهدفت مواقع حيوية وقيادات بارزة مما دفع الحكومة اللبنانية برئاسة نواف سلام إلى الخروج بموقف حازم يرفض الانزلاق نحو المجهول ويأتي هذا التصعيد العسكري الذي انطلق من جنوب لبنان وصولًا إلى قلب العاصمة بيروت في توقيت شديد الحساسية وسط تجاذبات إقليمية ودولية تنذر بتحويل الأراضي اللبنانية إلى ساحة لتصفية الحسابات الكبرى وهو ما دفع رئاسة الوزراء إلى التحذير من مغبة الانجرار وراء أفعال وصفها رئيس الحكومة بأنها “غير مسؤولة ومشبوهة” مؤكدًا أن الدولة اللبنانية لن تقف مكتوفة الأيدي أمام من يحاول رهن قرار السلم والحرب لجهات خارجية أو أجندات خاصة.
تصعيد الميدان
بدأت شرارة المواجهة الحالية بعدما أعلن حزب الله رسميًا مسؤوليته عن إطلاق وابل من الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه الأهداف الإسرائيلية في خطوة وصفها بأنها رد أولي ومباشر على عملية اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي وهو التطور الذي نقل الصراع إلى مستوى غير مسبوق من المواجهة المباشرة ولم يتأخر الرد الإسرائيلي كثيرًا حيث شنت الطائرات الحربية سلسلة غارات وصفتها تل أبيب بأنها “دقيقة وموجهة” استهدفت من خلالها المربع الأمني لقيادات حزب الله في ضاحية بيروت الجنوبية بالإضافة إلى تنفيذ عمليات اغتيال استهدفت كوادر ميدانية في بلدات الجنوب اللبناني مما أدى إلى حالة من الذعر العام واستنفار أمني واسع في مختلف المناطق اللبنانية تزامنًا مع مصادقة رئيس الأركان الإسرائيلي على خطة هجومية موسعة تستهدف البنية التحتية العسكرية للحزب محملًا إياه المسؤولية الكاملة عن أي تدهور قد يطال المدنيين على جانبي الحدود.
تحذيرات الحكومة اللبنانية من الانزلاق للفوضى
في أول رد فعل رسمي على هذا التدهور الأمني خرج رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام ببيان شديد اللهجة عبر منصة “إكس” استنكر فيه بشدة إطلاق الصواريخ من الجنوب اللبناني معتبرًا أن هذه الأفعال أيًا كانت الجهة التي تقف خلفها تمثل تهديدًا وجوديًا لأمن وسلامة الدولة اللبنانية وسيادتها الوطنية وأوضح سلام أن هذه العمليات تمنح الجانب الإسرائيلي الذرائع والغطاء الدولي لمواصلة اعتداءاته وتوسيع رقعة استهدافه للأراضي اللبنانية مشددًا على أن الحكومة اللبنانية لن تسمح بجر البلاد إلى “مغامرات جديدة” قد تؤدي إلى تدمير ما تبقى من مؤسسات الدولة وبنيتها التحتية كما أكد رئيس الوزراء أن الأجهزة الأمنية والقضائية ستتخذ كافة الإجراءات اللازمة لملاحقة وتوقيف المسؤولين عن هذه الهجمات غير المنسقة مع الدولة مشيرًا إلى أن حماية المواطن اللبناني هي الأولوية القصوى التي لا يمكن المساومة عليها تحت أي شعارات سياسية أو عقائدية.
الموقف العسكري الإسرائيلي وخطط الإخلاء
على الجانب الآخر أظهرت التحركات العسكرية الإسرائيلية نية واضحة لتوسيع رقعة العمليات حيث أصدر الجيش الإسرائيلي تحذيرات عاجلة وواسعة النطاق شملت سكان أكثر من 50 قرية وبلدة في جنوب وشرق لبنان مطالبًا إياهم بإخلاء منازلهم والابتعاد لمسافة لا تقل عن كيلومتر واحد عن أي منشآت قد تكون مرتبطة بحزب الله ويعكس هذا الإنذار بالإخلاء الجماعي حجم الضربات الجوية المتوقعة حيث اعتبر المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أن التواجد بالقرب من مخازن الأسلحة أو مراكز القيادة التابعة للحزب يعرض حياة المدنيين لخطر داهم مؤكدًا أن العمليات العسكرية الجارية تهدف إلى تقويض قدرات الحزب الصاروخية ومنعه من شن مزيد من الهجمات وفي غضون ذلك صادقت القيادة العسكرية العليا في تل أبيب على “خرائط أهداف” جديدة تتضمن مراكز ثقل استراتيجية مما يشير إلى أن المواجهة قد لا تقتصر على القصف المتبادل بل قد تمتد لتشمل عمليات برية أو ضربات جراحية في عمق المناطق المأهولة.
تداعيات اغتيال المرشد الإيراني على الساحة اللبنانية
إن إقحام اسم المرشد الإيراني علي خامنئي في قلب الصراع اللبناني-الإسرائيلي يمثل تحولًا جوهريًا في قواعد الاشتباك حيث يرى المراقبون أن إعلان حزب الله ربط هجماته باغتيال شخصية بهذا الثقل الرمزي في طهران يعني أن لبنان بات رسميًا جزءًا من صراع إقليمي أكبر يتجاوز حدود القرار الوطني اللبناني ويثير هذا الارتباط الوثيق بين الجبهة الجنوبية اللبنانية والملفات الإقليمية حفيظة الحكومة اللبنانية التي تحاول جاهدة النأي بالنفس عن الصراعات المحورية لتجنب دفع فاتورة باهظة من دماء اللبنانيين واقتصادهم المنهار أصلًا ويرى محللون سياسيون أن هذا التصعيد قد يضع حزب الله في مواجهة مباشرة ليس فقط مع إسرائيل بل مع الداخل اللبناني الرافض لتحويل البلاد إلى منصة صواريخ تخدم مصالح قوى إقليمية خاصة في ظل العجز الاقتصادي التام عن تحمل تبعات حرب طويلة الأمد أو حتى مواجهة موجات النزوح الكبرى المتوقعة من الجنوب والبقاع.
جلسة طارئة لمجلس الوزراء لمواجهة المستجدات
نظرًا لخطورة الموقف وتلاحم الأحداث قرر مجلس الوزراء اللبناني عقد جلسة طارئة ومفتوحة لمناقشة التداعيات الأمنية والسياسية للضربات الإسرائيلية وردود الفعل العسكرية من الجنوب ومن المتوقع أن تبحث الجلسة سبل تعزيز الحماية للمدنيين وتوفير مراكز إيواء للنازحين من قرى الجنوب بالإضافة إلى صياغة موقف دبلوماسي موحد يتوجه به لبنان إلى مجلس الأمن الدولي لوقف الاعتداءات الإسرائيلية والمطالبة باحترام القرار 1701 إلا أن التحدي الأكبر أمام حكومة نواف سلام يكمن في كيفية ضبط الإيقاع الميداني ومنع الفصائل المسلحة من التفرد بقرار المواجهة وهو أمر يتطلب تنسيقًا عاليًا مع الجيش اللبناني وقوات “اليونيفيل” الدولية لضمان عدم خروج الأمور عن السيطرة وتحول المناوشات الحدودية إلى حرب إقليمية شاملة تحرق الأخضر واليابس في بلاد الأرز.

