قالت الدكتورة شيماء وجيه، الخبيرة المصرفية، إن المشهد الجيوسياسي الحالي يشهد تحولات حادة بسبب التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران، بمشاركة مباشرة أو غير مباشرة من إسرائيل، مما أدى إلى دخول الأسواق العالمية في مرحلة إعادة تسعير شاملة للمخاطر الجيوسياسية.
الأسواق لا تتعامل مع الحدث العسكري بوصفه واقعة سياسية فحسب
أوضحت الدكتورة شيماء وجيه، الخبيرة المصرفية، أن الأسواق لا تتعامل مع الحدث العسكري بوصفه واقعة سياسية فحسب، بل باعتباره متغيرًا اقتصاديًا يؤثر في معادلة العرض والطلب وسلاسل الإمداد وكلفة رأس المال، حيث تتحرك أسعار النفط حاليًا حول نطاق 70–75 دولارًا للبرميل، كما يسجل الذهب مستويات تاريخية مرتفعة تتجاوز 5,000 دولار للأونصة، في انعكاس مباشر لارتفاع درجة عدم اليقين وتزايد الطلب على أدوات التحوط.
المتغير الحاكم لمسار النفط في المرحلة المقبلة يتمثل في مدى تأثير الصراع على تدفقات الطاقة عبر مضيق هرمز
أضافت الدكتورة شيماء وجيه، أن المتغير الحاكم لمسار النفط في المرحلة المقبلة يتمثل في مدى تأثير الصراع على تدفقات الطاقة عبر مضيق هرمز، حيث يمر من خلاله ما يقرب من 20% من تجارة النفط العالمية، مما يعني أن أي تهديد فعلي لحركة الملاحة أو استهداف مباشر للبنية التحتية النفطية قد يؤدي إلى دخول السوق في مرحلة صدمة عرض حقيقية، وليس مجرد علاوة مخاطر نفسية.
الأسعار مرشحة للتحرك في نطاق 80–90 دولارًا للبرميل مدفوعة بعامل المضاربة والتحوط
وأشارت الدكتورة شيماء وجيه، إلى أنه في حال بقاء التصعيد ضمن نطاق محدود دون تعطيل فعلي للإمدادات، فإن الأسعار مرشحة للتحرك في نطاق 80–90 دولارًا للبرميل مدفوعة بعامل المضاربة والتحوط، مع احتمالية تراجع نسبي حال احتواء الموقف دبلوماسيًا، ثم إذا شهدنا تعطيلاً جزئيًا للإمدادات بنحو 1–2 مليون برميل يوميًا، فقد يقفز السعر إلى نطاق 100–120 دولارًا نتيجة اتساع فجوة العرض وارتفاع تكاليف التأمين والشحن، كما لفتت إلى وجود سيناريو آخر محتمل أكثر حدة، يتمثل في اتساع رقعة العمليات أو استهداف منشآت إنتاجية رئيسية، مما قد يدفع الأسعار مؤقتًا إلى نطاق 130–150 دولارًا للبرميل، خاصة إذا تأخر تدخل تحالف أوبك لتعويض النقص في المعروض.
أكدت الخبيرة المصرفية أن السوق لا تعاني حاليًا من نقص فعلي في الإمدادات، بل من توقع نقص محتمل، موضحة أن الفارق بين الاثنين جوهري؛ لأن زوال المخاطر السياسية قد يدفع إلى تصحيح سعري سريع، بينما استمرارها يحول علاوة المخاطر إلى مستوى سعري جديد مستدام، وفيما يتعلق بالذهب، أوضحت أن المعدن الأصفر لا يرتفع فقط بسبب الحرب، بل نتيجة تلاقي ثلاثة عوامل متزامنة تتمثل في تصاعد المخاطر الجيوسياسية، واحتمالات عودة الضغوط التضخمية مع ارتفاع الطاقة، وتزايد الطلب المؤسسي على الأصول الدفاعية.
وأشارت إلى أنه في حال استمرار التوتر دون توسع إقليمي واسع، فمن المرجح أن يرتفع الذهب بنسبة إضافية تتراوح بين 10–15% ليصل إلى نطاق 5,800–6,200 دولار للأونصة، أما إذا اتسع نطاق العمليات أو ارتفعت أسعار النفط فوق 100 دولار لفترة ممتدة، فإن ذلك قد يعيد إشعال موجة تضخمية عالمية، مما يدفع الذهب إلى تجاوز 6,500–7,000 دولار للأونصة نتيجة تدفقات الملاذ الآمن من الصناديق الاستثمارية الكبرى والبنوك المركزية.
أضافت أن التحليل الأعمق يشير إلى أن الذهب يتحرك كأداة تحوط ضد عدم اليقين المركب، أي مزيج من مخاطر الحرب والتضخم وتقلبات السياسات النقدية، مؤكدة أنه كلما طال أمد هذا الخليط، ترسخت المستويات السعرية المرتفعة، وعن الانعكاسات الاقتصادية الكلية، قالت إن ارتفاع أسعار النفط بمقدار 20 دولارًا للبرميل قد يضيف ما بين 0.5 إلى 0.8 نقطة مئوية إلى التضخم العالمي، مما قد يؤجل خطط خفض أسعار الفائدة في الاقتصادات الكبرى، مشيرة إلى أن الاقتصادات الناشئة المستوردة للطاقة ستكون الأكثر تعرضًا للضغط سواء عبر زيادة فاتورة الواردات أو تراجع عملاتها أمام الدولار، مما ينعكس بدوره على معدلات النمو وعجز الميزان التجاري.
اختتمت الدكتورة شيماء وجيه تصريحاتها بالتأكيد على أننا أمام حلقة مترابطة من حرب وارتفاع أسعار النفط وتضخم وتشدد نقدي وتباطؤ نمو وتعزيز الذهب كملاذ آمن، متوقعة تحرك أسعار النفط في نطاق 80–110 دولارات للبرميل خلال الأجل القصير، مع احتمالية تجاوز 130 دولارًا في حال تعطل الإمدادات فعليًا، بينما يظل الذهب مرشحًا لمواصلة الصعود نحو 6,000–7,000 دولار للأونصة مع تصاعد المخاطر الجيوسياسية واستمرار الضغوط التضخمية، حيث يبقى المسار النهائي للأسعار رهينًا بمدى اتساع الصراع وتأثيره المباشر على سلاسل الإمداد العالمية.

