مع بزوغ شمس اليوم العاشر من شهر رمضان المبارك، نجد أنفسنا على أعتاب نهاية المحطة الأولى من هذا الشهر الفضيل، حيث تمثل هذه المحطة “أيام الرحمة” بداية السباق الإيماني العظيم، فهذا اليوم ليس مجرد يوم عابر، بل هو ختام للثلث الأول من الشهر، وهو لحظة فارقة يسعى فيها كل صائم وقائم إلى تجديد النية وتكثيف الدعاء لنيل النصيب الأوفر من الرحمات التي تتنزل من السماء، حيث يمتلئ قلب المؤمن في هذا اليوم بمزيج من الرجاء والخوف، رجاء في أن يكون قد كُتب من المرحومين، وخوف من انقضاء هذه الأيام المباركة دون تحقيق التغيير المنشود في النفس والروح، لذا يمثل دعاء اليوم العاشر وسيلة الاتصال الروحية الأقوى لتحقيق السكينة والرضوان.
نص دعاء اليوم العاشر من رمضان وفضيلة التوكل
يستحب للمسلم في اليوم العاشر من رمضان أن يلهج لسانه بالدعاء المأثور: “اللهم اجعلني فيه من المتوكلين عليك، واجعلني فيه من الفائزين لديك، واجعلني فيه من المقربين إليك، بإحسانك يا غاية الطالبين”، حيث يحمل هذا الدعاء في طياته معاني عميقة تتجاوز مجرد الكلمات، فهو يبدأ بطلب التوكل على الله، والتوكل هو صدق اعتماد القلب على الله عز وجل في استجلاب المصالح ودفع المضار، وفي نهاية أيام الرحمة، يحتاج المؤمن إلى هذا اليقين بأن كل ما مر به في الثلث الأول وما سيواجهه في الأيام القادمة هو بيد الخالق وحده، مما يمنحه قوة نفسية هائلة لمواصلة العبادة بنفس الهمة والعزيمة، بعيدًا عن الفتور الذي قد يصيب البعض بعد انقضاء الأيام الأولى من الشهر الكريم
أهمية الدعاء في ختام “أيام الرحمة” وانتقالنا للمغفرة
قسمت السنة النبوية شهر رمضان إلى ثلاثة أثلاث، أولها رحمة، وأوسطها مغفرة، وآخرها عتق من النار، وبالوصول إلى اليوم العاشر، نكون قد استكملنا عشرة أيام كاملة من التعرض لنفحات الله ورحمته التي وسعت كل شيء، فالدعاء في هذا التوقيت يعد بمثابة “جرد حساب” روحاني، حيث يتضرع العبد لربه أن يتقبل منه ما مضى ويصلح له ما بقي، إن استشعار نهاية أيام الرحمة يحفز المسلم على التوبة النصوح، فالرحمة هي المفتاح الذي يفتح أبواب المغفرة التي سنستقبلها في اليوم الحادي عشر، ولذلك يركز الصالحون في هذا اليوم على دعوات شاملة تجمع بين صلاح الدنيا والفوز بالآخرة، مستغلين لحظات الإفطار وساعات السحر التي لا يُرد فيها سائل.
كيفية استثمار الساعات الأخيرة من الثلث الأول لرمضان
لا ينبغي أن يمر اليوم العاشر دون وقفة تأمل حقيقية مع النفس، فالكثير من الناس يشعرون بمرور الوقت سريعًا، وهنا تبرز أهمية تنويع العبادات بجانب الصيام والصلاة، فالدعاء يجب أن يقترن بالعمل الصالح كصدقة السر، وصلة الأرحام، وإطعام الطعام، فكل هذه القربات هي في الحقيقة “أدعية صامتة” ترفع من شأن العبد عند خالقه، وفي اليوم العاشر، يوصي العلماء بضرورة الإكثار من الاستغفار والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، مع تخصيص وقت كافٍ للخلوة بالله قبل أذان المغرب، لرفع الحاجات وبث الهموم واليقين بأن الله الذي رحمنا في العشر الأوائل هو القادر على أن يغفر لنا في العشر الأواسط ويعتق رقابنا في العشر الأواخر.
أدعية جامعة ومستحبة لليوم العاشر من الشهر الفضيل
بجانب الدعاء المأثور، هناك أدعية جامعة يمكن للمسلم الحرص عليها في اليوم العاشر، منها: “اللهم إنا نسألك من الخير كله عاجله وآجله، ما علمنا منه وما لم نعلم، ونعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله، ما علمنا منه وما لم نعلم”، وأيضًا: “اللهم كما أتممت علينا عشر أيام من الرحمة، فأتمم علينا بقية شهرك بالمغفرة والعتق من النيران، واجعلنا ممن صام الشهر إيمانًا واحتسابًا”، إن هذه الأدعية تخلق هالة من الطمأنينة حول الصائم وتجعله أكثر صبرًا على مشقة الجوع والعطش، بل وتحول العادة إلى عبادة، حيث يصبح كل فعل يقوم به المسلم مرتبطًا بذكر الله وابتغاء مرضاته، وهو جوهر الحكمة من الصيام والقيام في هذا الشهر المعظم
رسالة أمل في ختام الثلث الأول من رمضان
إن انقضاء اليوم العاشر لا يعني نهاية الخير، بل هو بداية لمرحلة جديدة من السباق نحو الجنة، فإذا كان البعض قد قصر في الأيام الماضية، فإن باب الله لا يزال مفتوحًا، والمغفرة قادمة في العشر الوسطى، دعاء اليوم العاشر هو رسالة أمل لكل مذنب أن ينيب، ولكل طائع أن يستزيد، ولكل مهموم أن يفر إلى الله بقلب خاشع، فلنجعل من هذا اليوم نقطة انطلاق قوية، نجدد فيها عهودنا مع الله، ونستحضر فيها عظمة الخالق الذي اختصنا بشهر رمضان ليكون طهرة لنا من الذنوب، فالحمد لله الذي بلغنا عشر الرحمة، ونسأله بفضله وجوده وكرمه أن يبلغنا ليلة القدر ونحن في أحسن حال، وأن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال.

