منذ بداية الدراما المصرية في الستينيات مع انطلاق التلفزيون المصري وإنتاج أول مسلسل بعنوان “هارب من الأيام” المقتبس من قصة للكاتب ثروت أباظة، بدأت تتشكل ملامح جديدة في السرد الدرامي، واستمر السؤال حول العدد الأمثل للحلقات لتحقيق التوازن بين التكثيف والجاذبية الجماهيرية.
لم يكن الشكل السائد هو المسلسل المكون من 30 حلقة فقط، بل ظهرت فكرة “السباعية” التي تتكون من سبع حلقات، حيث حاول المخرجون الكبار مثل إبراهيم الصحن تقديم أعمال ناجحة مثل “جراح عميقة” عام 1969، مما أثبت أن قصر العمل لا يعني ضعف تأثيره بل قد يكون مصدر قوته.
هذا العام، أعادت الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية إحياء فكرة المسلسلات القصيرة، خاصة تلك المكونة من 15 حلقة التي تعرض في النصف الأول من رمضان، حيث تصدرت المشهد بعدد من الإنتاجات التي أعادت تشكيل شكل ومضمون المسلسل التلفزيوني، وقدمت قضايا معاصرة بسرد سريع ورؤية شبابية لمؤلفين ومخرجين، مما ساعد على جذب المشاهدين دون ملل.
في مقدمة هذه الأعمال جاء “صحاب الأرض” الذي أثبت أن العمل الناجح يعتمد على حبكة محكمة وخطوط درامية متقاربة حول فكرة محورية، وقد اختار المؤلف محمد هشام عبية رواية لعمار صبري تتماشى مع الأحداث المؤلمة التي عاشها العالم بسبب الحرب على غزة، حيث لا تحتمل مثل هذه الموضوعات المطّ أو الإطالة.
كما قدمت المؤلفة شيرين دياب مع المخرج كريم العدل تجربة مختلفة في “كان يا ما كان”، حيث سلطت الضوء على الصراعات الأسرية الناتجة عن الروتين وسوء التفاهم، وقد نجح العمل بمشاركة عدد من النجوم في تقديم دراما هادئة تعكس تفكك العلاقات داخل الأسرة المعاصرة.
وفي اتجاه رومانسي، طرحت المتحدة “اتنين غيرنا” الذي يجمع آسر ياسين ودينا الشربيني، حيث تدور الأحداث حول رجل وامرأة من عالمين مختلفين تجمعهما الصدفة، قبل أن تتشابك خيوط الماضي ويجد كل منهما في الآخر طوق نجاة من أزماته، بينما خاضت هند صبري تجربة ذات طابع شعبي في “مناعة”، حيث تدور الأحداث حول امرأة عشرينية تجد نفسها مسؤولة عن ثلاثة أطفال بعد مقتل زوجها، مما يعكس تحديات جديدة تواجهها في عالم لم تعهده من قبل.
المفاجأة الكبرى كانت “عين سحرية” الذي تصدر نسب المشاهدة، حيث تدور الأحداث حول فني تركيب كاميرات مراقبة يتورط في جريمة قتل، قبل أن يدخل حياته محامٍ غامض، مما يغير مجرى الأحداث بشكل مثير، كما شهد الموسم أولى تجارب مايا أشرف زكي الإخراجية في “حد أقصى”، حيث قدمت روجينا دور سيدة تتورط دون قصد في جريمة غسيل أموال بعد دخول مبلغ مالي ضخم إلى حسابها البنكي.
يعتبر “توابع” من أبرز المكاسب في الموسم، حيث ناقش عالم المؤثرين على مواقع التواصل الاجتماعي من خلال شخصية سيدة ذات شعبية كبيرة تعيش صراعًا بين ماضيها وحاضرها، بينما جاء “كلهم بيحبوا مودي” لياسر جلال بلغة هادئة، حيث يجسد شخصية رجل أعمال ثري فقد ثروته ويجد نفسه مضطرًا للزواج من سيدة ثرية لإنقاذ نفسه من الإفلاس.
بهذا الحضور الكثيف لأعمال الـ15 حلقة، يتأكد أن المسلسل القصير لم يعد مجرد حلّ إنتاجي، بل أصبح خيارًا فنيًا يعيد تعريف علاقة الجمهور بالحكاية، مما يبرهن أن التكثيف قد يكون أكثر تأثيرًا من الإطالة، وهو نهج سيصب في مصلحة الشركة المنتجة والنجوم، حيث ينتظر النصف الثاني تجارب مماثلة تجدد روح المشاهدة وتكسر الروتين الذي قد يتسبب فيه مسلسل الـ30 حلقة إذا لم ينجح في جذب الانتباه وتحقيق معادلة المسلسل الطويل.

