قال الدكتور محمد الجوهرى، الخبير الاقتصادى ورئيس مركز أكسفورد للدراسات الاقتصادية، إن الحرب الأمريكية الإيرانية لا تُعتبر مجرد حدث عسكري، بل هي صدمة جيوسياسية تمس قلب منظومة الطاقة والتجارة العالمية، مما يؤدي إلى آثار سريعة على أسعار السلع الأساسية والغذاء وسوق العملات، وخصوصًا الدولار، حيث تقع إيران في منطقة من أهم ممرات الطاقة في العالم، وأي تصعيد واسع النطاق يزيد تلقائيًا من المخاطر على إمدادات النفط والغاز، ويضيف ما يُعرف بعلاوة الحرب إلى الأسعار حتى قبل حدوث أي تعطيل فعلي للإنتاج.

أوضح الجوهرى أن الطاقة ستكون أول المتأثرين بالحرب وبشكل سريع، إذ إن ارتفاع أسعار النفط يرفع تكلفة النقل والشحن والتأمين، كما يزيد من تكلفة الكهرباء والوقود للصناعة والزراعة التي تعتمد بشكل كبير على الطاقة في تشغيل المعدات والري والنقل والتخزين، كما أن الأسمدة ترتبط بأسعار الغاز الطبيعي، لذلك فإن أي قفزة في أسعار النفط أو الغاز تؤثر تدريجيًا على أسعار الحبوب واللحوم ومنتجات الألبان والزيوت النباتية، ومع استمرار الحرب أو اتساعها، قد لا يكون الارتفاع مؤقتًا بل يتحول إلى موجة تضخمية ممتدة.

وأشار الخبير الاقتصادى إلى تأثر سلاسل الإمداد، وفي حال امتد التوتر إلى مضيق هرمز أو البحر الأحمر، فإن تكاليف الشحن سترتفع، وقد تلجأ بعض شركات الملاحة إلى مسارات أطول وأكثر كلفة، وهذا يعني زيادة زمن الرحلة وارتفاع أسعار التأمين البحري، مما ينعكس على أسعار السلع المستوردة في آسيا وأوروبا وأفريقيا، والدول المستوردة للغذاء ستكون الأكثر تأثرًا، لأن أي زيادة في تكلفة الشحن أو الطاقة تضيف عبئًا مباشرًا على فاتورة الاستيراد.

لفت الجوهرى إلى أن أسعار العملات هي المسار الثالث المتأثر بسبب الحرب، وتحديدًا الدولار، حيث يميل المستثمرون في أوقات الحروب الكبرى إلى اللجوء إلى الدولار باعتباره عملة احتياط عالمية وملاذًا آمنًا، وإذا ارتفع الدولار، فإن السلع المسعرة به تصبح أكثر تكلفة على الدول التي تشتري بعملاتها المحلية، حتى لو بقيت أسعار الحبوب مستقرة نسبيًا بالدولار، فإن قوة العملة الأميركية ترفع سعرها الفعلي في الأسواق الناشئة، لذلك فإن صعود الدولار مع الحرب يمكن أن يضاعف الأثر التضخمي في الدول المستوردة.

أردف أن بعض الدول المصدرة للنفط قد تستفيد من ارتفاع الأسعار عبر زيادة إيراداتها، لكن ذلك لا يمنع تأثرها بارتفاع أسعار الغذاء إذا كانت مستوردة له، أما الدول التي تعاني من عجز تجاري أو نقص في الاحتياطيات، فقد تواجه ضغوطًا مزدوجة، تتمثل في ارتفاع فاتورة الطاقة والغذاء من جهة، وضغط على عملتها من جهة أخرى نتيجة خروج رؤوس الأموال، والسيناريو المعتدل يفترض أن تبقى الحرب محدودة جغرافيًا دون تعطيل فعلي للممرات البحرية، وفي هذه الحالة قد ترتفع أسعار الطاقة لفترة قصيرة ثم تعود للاستقرار النسبي، ويكون تأثيرها على الغذاء تدريجيًا ومحدودًا، بينما السيناريو الأكثر خطورة هو اتساع المواجهة لتشمل تعطيلًا في مضيق هرمز أو تصعيدًا في البحر الأحمر، وهنا قد نشهد موجة حادة في أسعار النفط، يعقبها ارتفاع واسع في تكاليف النقل والأسمدة، ثم انتقال سريع للضغوط إلى أسعار الحبوب والمواد الغذائية عالميًا.

استكمل الخبير الاقتصادى بأنه تاريخيًا، الحروب في مناطق إنتاج الطاقة غالبًا ما ترتبط بموجات تضخم عالمية، لأن الطاقة تدخل في كل مراحل الإنتاج والنقل، ومع قوة الدولار المصاحبة لأجواء التوتر، تتضاعف الضغوط على الاقتصادات الناشئة، لذلك يمكن القول إن احتمال ارتفاع أسعار السلع الأساسية والغذاء عالميًا وارد بقوة إذا طال أمد الحرب أو اتسع نطاقها، بينما يبقى حجم الارتفاع مرتبطًا بمدى تأثير العمليات العسكرية على تدفق الطاقة واستقرار الملاحة الدولية.