ليس من السهل أن تفرض مخرجة عملها الأول كحالة تستحق التوقف النقدي، لكن مسلسل “حد أقصى” يفعل ذلك حيث يكشف منذ مشاهده الأولى أن مايا أشرف زكي لا تتعامل مع الإخراج بوصفه تنفيذًا للنص، بل بوصفه قراءة ثانية له ومساءلة له أيضًا.
النص الذي كتبه السيناريست هشام هلال ينتمي إلى عالم اعتاد الاشتباك مع الفوارق الطبقية والاقتصاد الخفي للسلطة والمال، نقلته مايا من مستوى الحكاية إلى مستوى البنية، حيث تحول التفاصيل المالية والطبية إلى أدوات ضغط بصري في الحكاية الإنسانية، وتصر على أن ترى الكاميرا ما قد يمر في نص آخر كخلفية عابرة، فاللقطات القريبة للتفاصيل البنكية والصحية ليست استعراضًا معرفيًا، بل محاولة لتثبيت الدراما في أرض صلبة، كأنها تقول إن الصراع يتجاوز الشعارات إلى الأرقام والواقع الغريب، إلى الوقائع التي تبدو باردة لكنها قادرة على تدمير مصائر كاملة.
الأكثر لفتًا أن مايا أشرف زكي تراهن على التدبير لا الفائض، حيث لا تُغرق مشاهدها بالموسيقى ولا بالانفعال، بل تترك فراغًا محسوبًا بين اللقطة والأخرى، بين الفعل ورد الفعل، مما يمنح الشخصيات فرصة أن تتكشف دون إملاء أخلاقي مباشر.
في هذا السياق، تأتي تجربة روجينا لتبدو كأنها اختبار حقيقي لإمكاناتها خارج مناطق الأمان، فـ”صباح” ليست امتدادًا لأدوار سابقة بقدر ما هي مغامرة في منطقة أقل صخبًا وأكثر هشاشة.
تذهب روجينا إلى منطقة جديدة في الأداء، حيث تغامر وتراهن على التجديد، وتعتمد على التوتر الداخلي، على الصمت الذي يسبق القرار، وعلى ارتباكٍ لا يُقال بل يُرى، هذه الانعطافة تمنحها ثقلًا مختلفًا، فهي لا تطلب تعاطف المشاهد بل تضعه في موقع المراقب القَلِق، الذي لا يعرف إن كان يدينها أم يتفهمها.
اللافت أن هذا التحول ما كان ليكتمل لولا إدارة إخراجية تعرف متى تقترب بالكاميرا ومتى تبتعد، ومتى تسمح للوجه أن يتكلم ومتى تترك الجسد في مواجهة الضوء.
صحيح أن العمل يضم أسماء لافتة مثل خالد كمال وفدوى عابد ومحمد القس وغيرهم، وكلهم يقدمون أداءات منضبطة، لكن البوصلة تظل موجهة نحو ثنائية المخرجة وبطلتها، ليس بوصفهما في الواقعة (ابنة وأم)، إنما لملاحظة مشروع هذه المخرجة التي ترسى دعائمها بثبات لافت، ومراقبة إصرار الممثلة على ترسيخ نجوميتها بالتنوع والتغيير، فالمهنية الطاغية على الشاشة جعلت المشاهد ينسى تمامًا هذه الصلة الأسرية، لينشغل فقط بعلاقة المخرجة بالممثلة، وهذا في حد ذاته يعزز من فكرة نضج التجربة.
خالد كمال مثلًا في دور الزوج (أنور) يقدّم شرًا متدرجًا لا يعتمد على الفجاجة، ومحمد القس (نادر) يمنح حضوره منافسة محسوبة، وفدوى عابد (نوسة) تمنح عمقًا إنسانيًا يضاعف من وطأة الصراع، بينما يتحرك بقية الممثلين في أدوار مختلفة، ليست ظلالًا للشخصيات التي يجسدونها أو الأبطال التي تتمحور حولهم الأحداث، غير أن القيمة الأوضح تبقى في كيفية توظيف هذه الطاقات داخل رؤية واحدة لا تسمح لأحد أن يخرج عن إيقاعها.
هذا الانضباط قد يُؤخذ عليه أحيانًا ميله إلى الصرامة، أو إلى ضبط الإيقاع أكثر مما يحتمل بعض المشاهد، لكنه في المقابل يحمي العمل من الترهل الذي يصيب كثيرًا من الدراما المشابهة.
حد أقصى إذن ليس مجرد حكاية عن المال وسقوط الأقنعة، بل إشارة مبكرة تدل على مخرجة تمتلك حسًا بنيويًا واضحًا، وتعرف أن السيطرة على التفاصيل هي الطريق للسيطرة على المعنى، وهو أيضًا لحظة فارقة في مسار روجينا، تثبت فيها أنها قادرة على إعادة تعريف حضورها حين تجد عينًا إخراجية تدفعها إلى مناطق أبعد من المتوقع.
قد يكون “حد أقصى” هو البداية، لكنه بلا شك بداية تضع سقفًا مرتفعًا لتوقعاتنا القادمة، وقد لا يكون عملًا كاملًا بلا ملاحظات، لكن أهميته تكمن في أنه يضع اسم مايا أشرف زكي في دائرة النقاش الجاد، ويمنح روجينا مساحة لإعادة اكتشاف نفسها أمام الجمهور، وفي موسم مزدحم بالتجارب المتشابهة، يكفي أن ينجح عمل في فرض هذا النوع من الحوار النقدي ليكون قد تجاوز حدّه الأقصى بالفعل.

