غادرنا اليوم الإذاعي القدير فهمي عمر عن عمر ناهز الثامنة والتسعين، تاركاً وراءه إرثاً غنياً يعكس عقوداً من الريادة في العمل الإذاعي المصري، إذ ساهمت مسيرته المهنية في تشكيل وجدان المستمعين من “ناصية الفن” إلى ملاعب الكرة، حيث استحق لقب “شيخ الإذاعيين” بجدارة، وذلك بفضل قدرته الفائقة على الجمع بين وقار المهنة وأصالة الجذور، ليظل “أشهر صعيدي” عرفته أروقة ماسبيرو منذ نشأتها.
معركة فهمي عمر في تعلم اللهجة القاهرية لتحقيق حلم الإذاعة
بدأت الحكاية من قرية “الرئيسية” التابعة لمركز نجع حمادي بمحافظة قنا، حيث حمل الشاب الطموح ملامحه الجنوبية السمراء ليطرق أبواب الإذاعة المصرية في وقت كانت فيه المعايير المهنية صارمة، خاض عمر معركة صامتة وصبورة لتهذيب لهجته الصعيدية القوية وتطويع لسانه لينطق بلكنة قاهرية تنساب بسلاسة إلى آذان المستمعين، وقد استنزفت منه هذه المعركة ثمانية عشر شهراً من التدريب المتواصل والجهاد اللغوي حتى تمكن من الجلوس أمام الميكروفون الذي أصبح فيما بعد رفيقه الأوفى.
لم تكن مسيرته مجرد قراءة للأخبار أو تقديم البرامج، بل كان شاهداً حياً على تحولات كبرى غيرت وجه التاريخ المصري، ففي صبيحة الثالث والعشرين من يوليو عام 1952، وجد نفسه وجهاً لوجه أمام الضباط الأحرار، واستقبل الرئيس الراحل محمد أنور السادات ومجموعته بمنتهى الود والاحترافية، وفي تمام السابعة والنصف صباحاً، كان هو الشخص الذي فتح “مفاتيح الهواء” للثورة، ليتردد بيانها الأول في لحظة وصفها الراحل دوماً بأنها الأبرز والأكثر مهابة في حياته المهنية.
لم يتوقف طموح فهمي عمر عند حدود العمل الإخباري، بل كان صاحب الرؤية الأولى في تدشين الإعلام الرياضي الإذاعي، حيث حول اهتمام الصحافة المكتوبة بالملاعب إلى مادة مسموعة تشبع نهم الجماهير، فبادر بتقديم فكرة أول برنامج رياضي متخصص نالت الموافقة الفورية، ليرتبط اسمه ببرنامج “مجلة الهواء” الذي صار مدرسة مستقلة بذاتها، نجح من خلالها في خلق جسر من التواصل الإنساني والرياضي جعل من صوته جزءاً أصيلاً من طقوس البيت المصري الأصيل، ليرحل اليوم تاركاً صرحاً إذاعياً كبيراً.

