يثبت مسلسل صحاب الأرض أن الدراما قادرة على التحول من مجرد سرد للأحداث إلى شهادة فنية وإنسانية تقدم تجربة متكاملة تجمع بين المشاهدة والتعايش النفسي مع الواقع.

العمل لا يكتفي بتوثيق المأساة فقط بل يعيد تشكيلها بصريًا وسرديًا ليضع المشاهد في قلب التجربة الإنسانية تحت ظروف الإبادة والتطهير العرقي اليومي.

قصة المسلسل

يركز المسلسل على الزوايا الإنسانية لما يحدث في قطاع غزة من حرب إبادة مستخدمًا لغة بصرية دقيقة ومتواليات مشهدية مدروسة تُظهر الصراع النفسي والاجتماعي للفرد العادي بدلًا من الاقتصار على عرض الكوارث كأرقام أو أخبار بعيدة.

هنا تتجلى الحياة في تفاصيلها الصغيرة، الأب الذي يكافح لإنقاذ طفله، والطبيبة التي تواجه عجز النظام الطبي أمام آلة الحرب، والشخصيات الثانوية التي تتحول إلى شهادات حية للتجربة اليومية للمعاناة والصمود.

أبطال العمل

الحوار في المسلسل ليس تجميليًا بل يحمل أبعادًا تحليلية عميقة تكشف الطبقات النفسية والاجتماعية للشخصيات، حيث تعني كلمات “مفتاح بيتنا بيتسلم من جد لجد لحد ما يوصل للحفيد” الاستمرارية رغم قسوة الاحتلال ورغم الدمار، كما أن “الشهامة هي التي بتحركنا والدفء مش بس ملابس” يعكس صراع الإنسان مع القيم الأخلاقية والاجتماعية ويحوّل فكرة البقاء إلى فعل إنساني يتجاوز البقاء الجسدي، ومشهد الاقتتال من أجل كيس طحين يعبر عن صراع الإنسان من أجل البقاء، مما يبرز واقع صراع الإنسان مع البيئة المدمرة حيث يصبح الوجود نفسه فعل مقاومة يومي.

تشاهد المسلسل وتشعر بإحساس العجز أمام الظلم، وتشعر بالصدمة النفسية الناتجة عن الإبادة والتحول النفسي من فعل إلى إدراك عميق للضعف الإنساني أمام آلة القمع.

تفاصيل الحلقة

من الناحية الفنية يعتمد المسلسل على التوازن بين قسوة الواقع والبعد الإنساني، فالمشاهد الصادمة لا تُوظف للاستعراض أو الصدمة البصرية بل لتكثيف إحساس الحصار النفسي والوجع اليومي، مما يمنح العمل عمقًا إنسانيًا متدرجًا ويخلق مساحة للتعاطف والنقد الذاتي لدى المشاهد.

أداء إياد نصار ومنة شلبي وآدم بكري وكامل الباشا يبرز الاقتصاد في التعبير الفني، حيث تحمل التفاصيل الصغيرة في الوجه والصوت والحركة ثقلًا نفسيًا أكبر من أي مشهد صاخب، وتترك للمشاهد مساحة لإعادة بناء المعنى العاطفي من تجربته الخاصة، مما يجعل التفاعل مع العمل أعمق وأكثر شخصية.

من منظور السرد نجح المسلسل في إعادة الشخصية الفلسطينية إلى مركز الحكاية، حيث لا تُوظف العلاقة بين الرجل الفلسطيني والطبيبة المصرية كرومانسية سطحية بل كأداة درامية لربط الإنسان بالمعنى وسط العبث والموت، كما طرح العمل سؤالًا فنيًا جوهريًا حول كيفية إدخال الرومانسية في سياق الإبادة دون تلطيف العنف، والإجابة تكمن في رؤية المخرج بيتر ميمي الذي وظف التوازن الدقيق بين المأساة الإنسانية واللمسات الصغيرة للحياة اليومية لتشكيل سرد يعكس الواقعية دون إغفال الأمل.

إنتاجيًا نجحت الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية في تقديم رؤية وطنية وقومية جريئة من خلال نقل حقيقة التطهير العرقي والحرب الممنهجة على غزة، مؤكدة أن الدراما ليست فنًا ترفيهيًا فحسب بل أداة موقف ونقل رسالة إنسانية للعالم.

يقدم مسلسل صحاب الأرض نموذجًا للدراما الشهادة، تجربة متقنة بصريًا وإيقاعيًا، أداء متزن بين الصمت والانفعال وسرد يعيد الإنسان الفلسطيني إلى مركز الحكاية، إنها دراما تجعل المشاهد يعيش الواقع ويحلله، ولا يكتفي بمجرد مشاهدته، وتؤكد أن الدراما الجيدة هي أداة فهم إنساني ووعي نقدي وتجربة وجدانية متكاملة.