منذ الحلقات الأولى، استطاع مسلسل الغميضة أن يستحضر شعور الحنين إلى الماضي، حيث يعيد إحياء أجواء سبعينيات القرن الماضي، وهي فترة لها مكانة خاصة في الذاكرة الجمعية، ليس فقط لدى من عاشوها، بل أيضا لدى الأجيال التي تشكلت على صورتها المتخيلة.
قصة المسلسل
تساهم عناصر فنية متعددة في تعزيز هذا الإحساس، من حسن اختيار الأغاني الرائجة آنذاك، إلى الديكورات وأساليب تصفيف الشعر والمكياج، مما يمنح العمل هوية بصرية واضحة، ويعيد تشكيل روح تلك المرحلة بقدر ملحوظ من العناية والاهتمام، غير أن استحضار الزمن وحده لا يكفي لضمان النجاح، فقبول الجمهور أو رفضه لأي عمل يظل رهنا بمدى نضج المعالجة الدرامية وتماسك الرؤية الفنية، فالزمن عنصر مهم في بناء الجو العام، لكنه ليس الفيصل، إذ تبقى زاوية الرؤية والتناغم بين القصة والشخصيات وقدرة السرد على الإقناع هي الأساس الحقيقي لنجاح أي عمل.
أبطال العمل
مع نص يحمل توقيع الكاتبة هبة مشاري حمادة ورؤية إخراجية لعلي العلي، يضم طاقم العمل أسماء بارزة تتقدمهم هدى حسين وعبد الرحمن العقل وإبراهيم الحربي، مما يجعل من الطبيعي أن يتحول مسلسل الغميضة إلى مادة غنية للنقاش والتحليل، غير أن هذا الترقب اصطدم ببعض الاختيارات الدرامية التي أثارت جدلا واسعا، ولا سيما في طريقة رسم شخصية “الأم الكفيفة”.
تفاصيل الحلقة
تقدم الغميضة حكاية أسرة بسيطة؛ أب يعمل فراشا تجسد شخصيته عبد الرحمن العقل، وأم كفيفة تمتهن الخياطة تجسدها هدى حسين، إلا أن الجدل لم يكن مرتبطا بالحبكة بقدر ما انصب على الكيفية التي عُرضت بها شخصية الأم الكفيفة، وما حملته من مقاربات درامية أثارت تساؤلات حول تمثيل الإعاقة في العمل، حيث لا يكتشف المشاهد فقدان الشخصية لبصرها إلا في منتصف الحلقة الأولى، إذ تظهر وهي تتحرك داخل المنزل بحرية كاملة، من دون عصا أو تحسس للأثاث، بل تتجاوز أحيانا حركة الشخص المبصر، مما يطرح تساؤلات حول منطقية هذا التقديم الدرامي.
جدل تقديم شخصية الأم الكفيفة
تقديم شخصية كفيفة في الدراما ليس إشكالا بحد ذاته، بل هو فرصة نادرة لاختبار قدرة الكاتب على الغوص في التجربة الحسية المختلفة، غير أن المشكلة في “الغميضة” تكمن في الطريقة التي جرى بها تصوير هذه الشخصية، حيث إن الخياطة مهنة تعتمد على تفاصيل دقيقة تتطلب دقة بصرية فائقة، صحيح أن هناك نماذج واقعية لأشخاص مكفوفين تمكنوا من ممارسة مهن دقيقة، لكن الغميضة لم يقدم للمشاهد أي جسور إقناع تشرح كيف بلغت الشخصية هذا المستوى من المهارة، مما يجعل الأمر يبدو أقرب إلى قدرة استثنائية غير مفسرة.
أدوار الممثلين… أزمة أعمار طلاب جامعة في الأربعين
إلى جانب ذلك، واجه العمل جدلا آخر يتعلق بملاءمة أعمار الممثلين للأدوار المسندة إليهم، فرغم ضم الغميضة مجموعة من الممثلين ذوي الخبرة، رأى عدد من المتابعين أن إسناد أدوار طلاب ثانوية أو جامعة إلى ممثلين في أواخر الثلاثينيات أو بداية الأربعينيات أضعف الإقناع البصري، خصوصا في حالات مثل فاطمة الصفي ومحمود بوشهري، حيث بدت الفجوة العمرية بين الممثلين وشخصياتهم واضحة للعين، ولا تعد هذه الظاهرة جديدة على الدراما العربية، إذ يلجأ بعض المخرجين إلى اختيار ممثلين أكبر سنا، اعتمادا على خبرتهم، لكن هذا الخيار لا ينجح دائما.
عبثية بعض المشاهد
في الحلقة الأولى، يصدم الابن جمال شخصا بسيارته، ويعود إلى المنزل ملطخا بالدماء، قبل أن يظهر ذلك الشخص مجددا وسط ذهول أفراد الأسرة، ليكتفي بطمأنتهم بأنه بخير، مما جعل المشهد يبدو بعيدا عن المنطق، وفي الحلقة الرابعة، أثار مشهد عودة الابن “جمال” بعد مشهد طويل من النواح والحداد، حيث ظهر بعد خروجه من البحر بثياب جافة تماما، سخرية على منصات التواصل الاجتماعي، وقد أصبحت هذه اللقطة مثالا متداولا على أخطاء التسلسل الزمني.
الأداء الصوتي
من الخيارات الفنية المثيرة للاستغراب في مسلسل الغميضة إسناد مهمة الراوي إلى الكاتبة هبة مشاري حمادة نفسها، حيث جاء الأداء الصوتي ضعيفا وافتقر إلى دقة مخارج الحروف، بينما كان من المنطقي أن يتولى صوت هدى حسين مهمة السرد، مما حرم العمل من قدر مهم من الحميمية وأضعف الارتباط الوجداني بين المشاهد والبطلة.
حتى العنوان لم يسلم من النقاش
امتد الجدل إلى اسم المسلسل نفسه، حيث رأى البعض أن تسمية “الغميضة” لا تنتمي إلى التراث الشعبي الكويتي، مما يعكس حساسية الجمهور تجاه الدقة الثقافية في الأعمال التي تستحضر فترات زمنية وتراثا شعبيا، يكشف “الغميضة” عن أزمة أوسع في بعض الإنتاجات الدرامية، حيث يبقى السؤال معلقا، هل نحن أمام محاولة جريئة لم تكتمل أدواتها، أم أمام كتابة اختارت سهولة التأثير السريع على حساب الصدق الدرامي.
الحكم النهائي مؤجل
يبقى الحكم على مسلسلات رمضان خلال أسبوعها الأول مبكرا لا يعكس بالضرورة الصورة الكاملة للعمل، ولنا عودة لتقييم مسلسل الغميضة مع نهاية الشهر الكريم واكتمال التجربة الدرامية وتطور الأحداث ونضج الشخصيات مع نهاية الحلقات.

