أكد السفير محمد العرابي، وزير الخارجية الأسبق ورئيس مجلس أمناء مركز شاف للدراسات المستقبلية، أن التحرك المصري في الدوائر العربية والأفريقية لا يعتبر مجرد رد فعل مؤقت بل هو نتيجة لرؤية استراتيجية شاملة تهدف إلى دعم الدولة الوطنية والحفاظ على وحدة المؤسسات، وهذا الأمر تجلى بوضوح في جهود مصر السياسية والدبلوماسية لحل الأزمات في عدة مناطق توتر.
مؤتمر السلام والتنمية والإطار العربي والأفريقي
قال العرابي، خلال حديثه لوكالة أنباء الشرق الأوسط على هامش مؤتمر السلام والتنمية في إطار عربي وأفريقي بالجامعة العربية، إن المؤتمر يأتي بعد يوم من انعقاد القمة الإفريقية التي تناولت العديد من القضايا والتحديات، وهو ينعقد في وقت حساس يشهد تصاعد الأزمات الإقليمية وتداخل غير مسبوق في التحديات الأمنية والاقتصادية، وأكد أن دور مصر على مدار العقود الماضية كان قائمًا على تحقيق التوازن بين الاستقرار والتنمية، حيث إن هذين المسارين مترابطان ولا يمكن الفصل بينهما.
أضاف أن التجربة المصرية أظهرت أن تحقيق السلام لا يمكن أن يتم دون معالجة جذور الأزمات المرتبطة بالفقر وضعف التنمية وغياب الفرص الاقتصادية، مشيرًا إلى أن الربط بين الأمن والتنمية أصبح ضرورة استراتيجية وليس خيارًا سياسيًا، خاصة في أفريقيا التي تملك إمكانات ضخمة لكنها تواجه تحديات هيكلية تتطلب تضامنًا حقيقيًا وشراكات عادلة.
وشدد العرابي على أن التضامن العربي الأفريقي يعد من أهم مفاتيح الاستقرار في المرحلة المقبلة، موضحًا أن التحديات المشتركة مثل الإرهاب والهجرة غير الشرعية وتغير المناخ والأزمات الاقتصادية العابرة للحدود لا يمكن لأي دولة مواجهتها بمفردها، بل تحتاج إلى تنسيق جماعي وتكامل في الموارد والخبرات، وهذا ما تسعى مصر لتعزيزه من خلال مبادرات التعاون الثنائي وآليات العمل الإقليمي المشترك.
سياسة مصر المتوازنة ودعم الحلول السياسية
وأشار إلى أن مصر تتحرك وفق سياسة متوازنة تحترم سيادة الدول وتجنب التدخل في شؤونها الداخلية، بينما تدعم جميع الجهود الرامية إلى الحلول السياسية والحوار الوطني الشامل، مؤكدًا أن القاهرة كانت وستظل داعمة للاستقرار.
وأوضح أن مصر لعبت تاريخيًا دورًا محوريًا في دعم استقرار محيطها العربي والأفريقي، حيث تدرك تمامًا أهمية وحدة المصير وترابط الأمن القومي، لافتًا إلى أن السياسة المصرية تعتمد على ثوابت واضحة تشمل احترام سيادة الدول والحفاظ على مؤسساتها ودعم الحلول السياسية بعيدًا عن التدخلات الخارجية التي غالبًا ما تعقد الأزمات وتطيل أمدها.
قال العرابي إن القاهرة تعاملت مع العديد من الملفات الإقليمية وفق هذه الرؤية، سواء عبر التحرك الدبلوماسي المباشر أو من خلال الأطر الجماعية متعددة الأطراف.
أشار العرابي إلى أن الجهود المصرية في تسوية الأزمة الليبية تجسد نموذجًا متوازنًا يجمع بين دعم المسار السياسي والحفاظ على وحدة الدولة ومؤسساتها، مما ساهم في منع تفاقم الأوضاع إلى سيناريوهات أكثر تعقيدًا، مؤكدًا أن استقرار ليبيا جزء لا يتجزأ من استقرار المنطقة بأكملها.
كما لفت إلى أن مصر تواصل اتصالاتها مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية دعمًا لوقف إطلاق النار في السودان وتهيئة الظروف لعملية سياسية شاملة تضع مصلحة الشعب السوداني فوق أي اعتبارات أخرى، مشددًا على أن استقرار السودان يمثل ركيزة أساسية للأمن الإقليمي في وادي النيل والقرن الأفريقي.
وأكد أن التحرك المصري لا يقتصر على إدارة الأزمات بل يمتد لدعم مسارات التنمية وإعادة الإعمار وبناء القدرات، حيث إن الاستثمار في الإنسان والبنية التحتية والمؤسسات هو الضمان الحقيقي لمنع تكرار الصراعات.
لفت العرابي إلى أن القارة الأفريقية تمتلك إمكانات ضخمة تؤهلها لتحقيق نهضة اقتصادية حقيقية، لكن ذلك يتطلب تعزيز التكامل الإقليمي ونقل الخبرات وتوفير التمويل العادل، بعيدًا عن الأعباء غير المتوازنة التي تتحملها الدول النامية.
وشدد العرابي على أهمية دور المؤسسات الإقليمية في هذه المرحلة، موضحًا أن العمل العربي والأفريقي المشترك من خلال جامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي يمكن أن يشكل قوة دفع حقيقية لتسوية النزاعات وتعزيز التنمية، إذا ما توافرت الإرادة السياسية والتنسيق الفعّال بين الدول الأعضاء.
وأوضح أن التحديات التي تواجه المنطقة، بما في ذلك الإرهاب والهجرة غير الشرعية وتغير المناخ والأزمات الاقتصادية، تتجاوز حدود الدول الوطنية، مما يجعل التضامن والتكامل ضرورة استراتيجية وليست مجرد خيار سياسي.
أكد العرابي أن مصر تؤمن بأن بناء السلام المستدام يتطلب تبني مقاربة شاملة تضع الإنسان في قلب عملية التنمية، وتوفر التعليم الجيد والرعاية الصحية وفرص العمل، إلى جانب تعزيز دور الشباب والمرأة في صنع القرار.
اختتم تصريحه بالتأكيد على أن المرحلة الراهنة تتطلب من الدول العربية والأفريقية تعزيز التنسيق والعمل الجماعي لمواجهة التحديات المشتركة، موضحًا أن مصر ستظل داعمًا رئيسيًا لكل الجهود الرامية إلى تحقيق السلام والتنمية، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن استقرار المنطقة لن يتحقق إلا من خلال التضامن الحقيقي والشراكات العادلة والرؤية المشتركة للمستقبل.

