في عالم الاقتصاد، الأحداث السياسية لا تؤثر فقط على الأرقام بل تلقي بظلالها على الأسواق بطرق غير متوقعة، من بين هذه الأحداث احتمال نشوب صراع عسكري بين الولايات المتحدة وإيران، وهذا الأمر يمكن أن يكون له تأثير كبير على الاقتصاد العالمي، حيث يمتد تأثيره ليشمل أسعار الطاقة والعملات والمعادن الثمينة، بالإضافة إلى الاستقرار الاقتصادي في منطقة الشرق الأوسط بشكل عام.

شكل السيناريو العسكري المحتمل

يعتقد الدكتور محمد الجوهري، الخبير الاقتصادي ورئيس مركز أكسفورد للدراسات الاقتصادية، أن الحرب في هذه الحالة قد لا تكون تقليدية كما نتخيل، بل قد تبدأ من خلال ضربات جوية تستهدف منشآت نووية أو عسكرية، وفي المقابل، قد ترد إيران بأساليب غير مباشرة مثل الضغط على الملاحة في مضيق هرمز أو استخدام حلفائها الإقليميين أو تنفيذ هجمات سيبرانية، بمعنى آخر، السيناريو الأكثر ترجيحاً هو أن يكون الصراع عسكرياً محدوداً ولكنه واسع من الناحية الاقتصادية.

النفط نقطة الارتكاز الأولى

أكد الجوهري أن أسعار النفط ستكون الأكثر تأثراً بمجرد الإعلان عن توتر عسكري، حيث يمكن أن ترتفع الأسعار بشكل حاد قبل أن يحدث أي تصعيد فعلي، السبب واضح فالمضيق يعتبر نقطة حيوية لإمدادات الطاقة العالمية، وأي تهديد له يعني تأثيراً مباشراً على السوق، وفي حال حدوث تصعيد متوسط، قد نشهد زيادة في الأسعار تتراوح بين 20 إلى 40% خلال أيام، أما إذا تم إغلاق الملاحة فعلياً فقد نرى مستويات سعرية غير مسبوقة.

الذهب ملاذ الخوف

أشار الجوهري إلى أن الذهب يعد ملاذاً آمناً في أوقات التوتر الجيوسياسي، ومع أي تصعيد، تتجه رؤوس الأموال إلى الذهب، مما يدفع أسعاره للصعود بسبب الخوف من عدم الاستقرار وتراجع الثقة في الأصول عالية المخاطر، ومن المحتمل أن يستمر هذا الارتفاع ما دام التوتر قائماً.

الدولار بين القوة والضغط

وأضاف الجوهري أن الدولار الأمريكي عادة ما يستفيد من الأزمات الكبرى، حيث يزداد الطلب عليه كعملة احتياطية، ولكن إذا استمر الصراع لفترة طويلة أو زادت تكاليفه، فقد يتغير الوضع، وقد نرى ضغطاً على الدولار خاصة إذا تزامن ذلك مع عجز مالي أو ارتفاع في أسعار الطاقة داخل الولايات المتحدة، وبالتالي، قوة الدولار في هذا السياق قد تكون مؤقتة بينما يتوقف الاتجاه على مدة وشدة الصراع.

دول الخليج بين الفرصة والتهديد

لفت الجوهري إلى أن اقتصادات الخليج تواجه وضعاً مزدوجاً، حيث أن ارتفاع أسعار النفط يعني زيادة كبيرة في الإيرادات، ولكن في الوقت نفسه، أي تهديد أمني مباشر قد يؤثر على الاستثمارات والسياحة ويزيد من تكاليف التأمين والشحن، مما يعني أن المكاسب المالية المحتملة قد تتوازن مع المخاطر الجيوسياسية المرتفعة.

بقية الشرق الأوسط والضغوط غير المباشرة

أكد الجوهري أن الدول غير النفطية في المنطقة ستتأثر سلباً، حيث ارتفاع أسعار الطاقة يعني زيادة تكاليف الاستيراد وارتفاع معدلات التضخم، مما يضغط على العملات المحلية والميزانيات الحكومية، كما أن حالة عدم اليقين قد تؤجل الاستثمارات وتؤثر على قطاعات مثل السياحة والخدمات اللوجستية.

الأسواق العالمية وسلاسل الإمداد

اختتم الجوهري حديثه بالتأكيد على أن التأثير لن يتوقف عند حدود المنطقة، فارتفاع أسعار النفط يعني ارتفاع تكاليف النقل والتصنيع على مستوى العالم، مما قد يؤدي إلى موجات تضخمية حتى في الاقتصادات الكبرى، وسلاسل الإمداد التي لم تتعافَ بعد من الأزمات السابقة قد تواجه اضطرابات جديدة، وفي النهاية، حتى لو ظل سيناريو المواجهة الأمريكية الإيرانية افتراضياً، فإنه يظهر كيف يمكن للسياسة أن تعيد تشكيل الاقتصاد في فترة قصيرة، حيث تتغير أسعار النفط، ويزداد إقبال المستثمرين على الذهب، وتظهر تقلبات الدولار، بينما تستفيد دول الخليج وتواجه المخاطر في نفس الوقت، في حين تتحمل الاقتصادات الأضعف العبء الأكبر، إذ إن الاستقرار الجيوسياسي يعد ركيزة أساسية للاستقرار الاقتصادي العالمي.