خلال الفترة الأخيرة، انتشرت أحاديث كثيرة حول أسعار استيراد القمح، حيث تم الحديث عن أن الأسعار أعلى من “السعر العالمي” بناءً على أرقام تم تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي، هذه الأرقام قارنها الناس بين أسعار البورصات العالمية وأسعار التعاقدات الفعلية، ونتج عنها استنتاجات تتعلق بوجود عمولات أو تحميل غير مبرر على تكلفة الاستيراد.

لكن هذه المقارنات تعتمد في الغالب على قراءة سطحية لأرقام إرشادية لا تعكس السعر الحقيقي للصفقات الدولية، كما أنها تتجاهل عناصر أساسية تدخل في تسعير القمح منذ لحظة التعاقد وحتى وصوله إلى الموانئ، الأمر الذي يستدعي توضيح الصورة بشكل كامل وبأسلوب مبسط، بعيدًا عن الأحكام المسبقة.

ما هو “السعر العالمي” الذي يتم تداوله؟

السعر المتداول عالميًا، مثل سعر بورصة شيكاغو للحبوب، هو مجرد سعر إرشادي يعكس تداولات عقود مستقبلية لقمح بمواصفات محددة وفي نقاط تسليم معينة، ولا يشمل بأي شكل من الأشكال تكلفة نقله أو تأمينه أو تمويله.

لذا، التعامل مع هذا الرقم كأنه “التكلفة النهائية” هو خطأ شائع، لأن هذا السعر يمثل فقط جزءًا من المعادلة الكاملة لتسعير القمح.

كيف يتكون السعر الفعلي لطن القمح المستورد؟

السعر النهائي الذي تظهر به أي صفقة استيراد هو نتيجة جمع عدة عناصر رئيسية، منها سعر القمح حسب المنشأ والمواصفات، ثم تكلفة الشحن البحري التي تتفاوت حسب الدولة المصدرة ومسار النقل، يلي ذلك تأمين البضاعة ضد المخاطر، بالإضافة إلى تكلفة التمويل في حال كان السداد آجلًا، فعلى سبيل المثال، قد تضيف تكلفة الشحن وحدها ما بين 20 إلى 30 دولارًا للطن، بينما تزداد التكلفة في حالة السداد المؤجل بسبب تحميل المورد تكلفة التمويل والعملة، وهو أمر معروف عالميًا.

السداد الآجل ليس “ميزة مجانية”

أحد العناصر التي تُغفل في المقارنات الشائعة هو طريقة السداد، فالشراء بالسداد الفوري يختلف تمامًا عن الشراء بسداد آجل يمتد لفترات طويلة مثل 180 أو 270 يومًا، حيث يقوم المورد في الحالة الثانية بتحميل السعر تكلفة التمويل، والتي قد تصل إلى 13 إلى 15 دولارًا للطن في القمح، وتكون أعلى في السلع الزيتية.

لذلك، مقارنة سعر صفقة آجلة بسعر بورصة فوري هو قياس غير علمي وقد يؤدي إلى نتائج مضللة.

المنشأ عامل حاسم في التسعير

القمح ليس سلعة ذات سعر موحد عالميًا، إذ تختلف الأسعار حسب المنشأ ونسبة البروتين ومعدلات الرطوبة وشروط التسليم، كما أن تنويع المناشئ يعد أداة رئيسية لإدارة المخاطر، خاصة في ظل الاضطرابات الجيوسياسية، وهذا قد ينعكس أحيانًا على السعر، لكنه يضمن في المقابل استقرار الإمدادات وعدم الارتهان لمصدر واحد.

لماذا لا تصلح المقارنات السطحية؟

الحديث عن “فرق سعر” دون تحديد شروط التعاقد أو طريقة السداد أو تكلفة الشحن يشبه مقارنة سعر سيارة في بلد المنشأ بسعرها بعد الشحن والجمارك والتأمين في بلد الاستيراد.

الفارق هنا لا يعكس بالضرورة تحميلًا إضافيًا غير مبرر، بل يعكس ببساطة اختلاف مراحل التسعير.

منطق الأمن الغذائي قبل منطق الأرخص لحظيًا

في أوقات الاضطراب العالمي، لا يكون الهدف هو الشراء بأقل سعر معلن، وإنما تأمين احتياجات الدولة دون انقطاع، وبأقل مستوى من المخاطر، التركيز على السعر المجرد، دون النظر إلى استقرار الإمداد وتوقيتات التسليم ومخاطر الأسواق، قد يؤدي إلى فجوات خطيرة في السلع الاستراتيجية، وهو ما تتجنبه الدول عبر سياسات شراء أكثر تحفظًا وتوازنًا.

الأرقام لا تكذب.. لكن قد يساء استخدامها

الحديث عن “عمولات” أو “فروق أسعار” في استيراد القمح، اعتمادًا على أرقام مبتورة من سياقها، يخلق انطباعات غير دقيقة لدى الرأي العام، أما الفهم الصحيح لتسعير القمح، فيؤكد أن السعر النهائي هو نتاج منظومة متكاملة من العوامل الفنية والمالية واللوجستية، وليس رقمًا واحدًا يقتطع من شاشة بورصة عالمية.