أصدر مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء تحليلًا جديدًا يتحدث عن "اقتصاديات الصيانة" وأوضح أن الصيانة لم تعد مجرد عملية إصلاح للأعطال بعد حدوثها بل أصبحت جزءًا أساسيًا من إدارة الأصول واستثمارها بشكل أفضل طوال دورة حياتها. يرتكز مفهوم اقتصاديات الصيانة على إعادة النظر في العلاقة بين التكلفة والقيمة حيث لا يُقاس نجاح القرار بمدى الإنفاق الفوري بل بقدرته على تقليل التكلفة الكلية وضمان استمرارية التشغيل وحماية رأس المال من التآكل غير المتوقع.

أهمية قطاع الصيانة

في ظل تزايد خسائر التوقف عن التشغيل وزيادة الاعتماد على الأصول المعقدة، أصبح قطاع الصيانة عنصرًا استراتيجيًا يربط بين الهندسة والاقتصاد والاستدامة ويعطي قاعدة علمية لاختيار استراتيجيات الصيانة المناسبة حسب طبيعة الأصول وحجم المؤسسة. يشير النمو السريع في سوق خدمات الصيانة عالميًا إلى هذا التحول، إذ من المتوقع أن تصل قيمتها إلى حوالي 104.6 مليارات دولار في 2024 وأن تتضاعف إلى 213.5 مليار دولار بحلول 2033 بمعدل نمو سنوي يصل إلى 9.4%.

لا يقتصر اقتصاد الصيانة على الاستجابة للأعطال بل يمثل إطارًا متكاملًا لإدارة الأصول بهدف تعزيز الكفاءة وتقليل التكاليف على مدار دورة حياة الأصل. يُعرف اقتصاديات الصيانة بأنها فرع من الهندسة الاقتصادية يركز على تحليل دورة حياة الأصول لتحديد الخيار الأكثر فعالية من حيث التكلفة بين البدائل المختلفة المتعلقة بامتلاك وتشغيل وصيانة الأصل. يعتمد هذا المجال على أدوات تقييم متقدمة مثل تحليل تكلفة دورة الحياة، الذي يساعد المؤسسات على اتخاذ قرارات استراتيجية تحقق أقل تكلفة ممكنة مع الحفاظ على الأداء التشغيلي.

أنواع استراتيجيات الصيانة

يستند التحليل إلى ثلاثة أنواع رئيسية من استراتيجيات الصيانة:

  • الصيانة التفاعلية: تُعرف أيضًا بـ "الإصلاح عند العطل" حيث يتم التعامل مع الأعطال فور حدوثها، ورغم أنها قد تبدو اقتصادية على المدى القصير إلا أنها تؤدي غالبًا إلى تكاليف أعلى بسبب التوقفات غير المخططة والإصلاحات الطارئة

  • الصيانة الوقائية: تركز على الفحوصات الدورية والتشحيم واستبدال المكونات لتفادي الأعطال، ورغم الحاجة لاستثمار مسبق إلا أنها تهدف إلى تقليل احتمالية التوقفات غير المخطط لها

  • الصيانة التنبؤية: تستخدم تحليلات البيانات والنماذج التنبؤية لتوقع الأعطال قبل وقوعها من خلال مراقبة مؤشرات صحة المعدات، مما يمكنها من اكتشاف علامات التحذير المبكرة واتخاذ الإجراءات المناسبة

شهد سوق الصيانة التنبؤية نموًا ملحوظًا، حيث بلغ حجمه 13.65 مليار دولار في 2025 ومن المتوقع أن يصل إلى 97.37 مليار دولار بحلول 2034 بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 24.3%، وتُظهر أمريكا الشمالية السيطرة على السوق بنسبة 33.3% في 2025.

تكاليف التوقف عن العمل

أشار التحليل إلى ارتفاع تكاليف التوقف عن العمل في المؤسسات الصناعية والتجارية، حيث أصبحت هذه التكاليف تحديًا ماليًا كبيرًا. فساعة واحدة من التوقف قد تكبد الشركات خسائر ضخمة تختلف حسب حجم المؤسسة والقطاع، مما يعكس أهمية استراتيجيات الصيانة الوقائية لاستمرارية الأعمال. الشركات الكبرى تتحمل تكاليف هائلة قد تصل إلى 2.3 مليون دولار في قطاع السيارات، بينما الشركات المتوسطة تواجه تكاليف تصل إلى مليون دولار في الساعة. أما الشركات الصغيرة، فتتحمل خسائر تصل إلى 150 ألف دولار للساعة.

الصيانة كعنصر استراتيجي

في وقت يسعى العالم إلى تحقيق الاستدامة المالية، أصبحت الصيانة من أهم محركات هذا الاتجاه. وقد أظهرت التحليلات تحولًا جذريًا في مفهوم الصيانة حيث لم تعد عبئًا ماليًا بل أداة استراتيجية. الصيانة الذكية والتنبؤية أصبحت مفيدة اقتصادية مباشرة، فكلما زاد عمر المنتج، زاد العائد على الأصول. إطالة عمر المنتج تُعتبر أكثر كفاءة من إعادة التدوير، حيث تضمن برامج الصيانة المتقدمة بقاء الأصل في ذروة أدائه لأطول فترة ممكنة.

الأرقام والإحصاءات

أبرز التحليل بعض الأرقام التي تعكس أهمية الصيانة:

  • 95% من كبار المديرين التنفيذيين يعتبرون نماذج الصيانة وإطالة العمر التشغيلي للأصول من أولويات شركاتهم بحلول 2028
  • 80% من الشركات تتوقع نمو إيرادات الأنشطة الدائرية بمعدلات أعلى من الأنشطة التقليدية
  • شركات مثل Vestas وSchneider Electric تعمل على تحسين كفاءة الأصول وتقليل التكاليف

في النهاية، اقتصاديات الصيانة أصبحت عنصرًا حاسمًا في بناء القدرة التنافسية للمؤسسات وتعزيز مرونتها المالية، واختيار الاستراتيجية المناسبة له تأثير مباشر على الإنتاجية وتكاليف التوقف وعائد الأصول، مما يبرز أهمية دمج اقتصاد الصيانة في التخطيط الاستثماري لضمان الاستدامة وتعظيم القيمة في بيئات صناعية مليئة بالتحديات.