قال بعض الخبراء في سوق الذهب والاقتصاد إن الانخفاض الكبير الذي شهدته الأسعار مؤخرًا ليس كما يعتقد البعض أنه خسارة شاملة بل هو إعادة توزيع المكاسب والخسائر بين المتعاملين حيث تحمل المضاربون وبعض البائعين المضطرين العبء الأكبر من الخسائر بينما بقي المستثمرون طويلو الأجل والمشترون عند المستويات المنخفضة في وضع الرابحين.

أوضح هؤلاء الخبراء أن ما حدث في الأسواق يعتبر حركة تصحيح سعرية طبيعية بعد فترة صعود تاريخي تلاها عودة سريعة لقوى الشراء مما يدل على قوة الاتجاه الصاعد للذهب على المدى الطويل.

بعد موجة الصعود القوية التي استمرت طوال عام 2025 وحتى يناير 2026 تعرضت أسعار الذهب لانخفاض حاد تجاوز 8% خلال تعاملات يوم الجمعة الماضية في واحدة من أعنف جلسات التصحيح السعري منذ عقود.

تراجعت أسعار الأوقية في بداية تعاملات الأحد إلى مستوى 4402 دولار قبل أن تعود للصعود مرة أخرى وتتجاوز 4700 دولار في منتصف الجلسة مدعومة بعمليات شراء مكثفة عند المستويات السعرية المنخفضة مما يدل على وجود طلب قوي على المعدن الأصفر عند هذه الأسعار.

استمر الذهب في الارتفاع على مدار عام 2025 بعدما بدأ العام عند مستوى يقارب 2624 دولارًا للأوقية لينهيه عند نحو 4319 دولارًا ومع بداية يناير 2026 حقق الذهب اختراقًا قويًا دفعه للاقتراب من مستوى 5600 دولار للأوقية قبل أن يتعرض لعمليات جني أرباح أدت إلى تراجعه بنهاية الشهر.

خلال تعاملات اليوم عادت أسعار الذهب للارتفاع في بورصات المعادن العالمية بنسبة 5.67% لتسجل نحو 4925 دولارًا للأوقية وفق أحدث بيانات وكالة بلومبرج.

البائع الاضطراري والمضارب.. الخاسر الأكبر

قال سيد زكريا أمين اللجنة النقابية للصياغ إن الخسائر تركزت بشكل أساسي على من اضطروا للبيع خلال فترة التراجع الحاد بسبب الحاجة إلى السيولة أو الخوف من استمرار الهبوط.

أوضح زكريا أن الكميات التي تم بيعها خلال هذه الفترة كانت محدودة مما قلل من حجم الخسائر الفعلية مشيرًا إلى أن المستثمرين طويلي الأجل لم يتجهوا للبيع لأنهم يدركون أن الذهب أداة ادخار وليس أداة مضاربة سريعة.

أضاف أن المضاربين على المدى القصير كانوا الأكثر تأثرًا بحركة الأسعار مؤكدًا أن البيع خلال فترات الهبوط الحاد غالبًا ما يؤدي إلى خسائر بينما يمثل الشراء في هذه المستويات فرصة أفضل للمتعاملين الذين يمتلكون سيولة.

وأشار إلى أن العديد من التجار لجأوا لتقليص تعاملاتهم أو تعليقها مؤقتًا خلال فترة التراجع خاصة مع إغلاق بورصات المعادن العالمية لتجنب تآكل رؤوس الأموال في ظل التقلبات الحادة وهذا ما تكرر سابقًا أثناء الارتفاعات القياسية حينما توقف التجار عن البيع والشراء حتى تتضح الرؤية بعد تجاوز سعر عيار 21 حاجز 7000 جنيه.

المستثمر طويل الأجل لم يتأثر

من جانبه قال نادي نجيب سكرتير عام شعبة الذهب السابق إن التراجع الأخير لم يكن له تأثير يذكر على المستثمرين طويلي الأجل موضحًا أن هذه الفئة تعتمد على الذهب كوسيلة ادخار ممتدة ولا تتأثر بالتحركات السعرية قصيرة الأجل.

أضاف نجيب أن الخسائر انحصرت في حالات فردية محدودة لمن اضطروا للبيع بسبب احتياجات طارئة للسيولة مؤكدًا أن الكميات التي تم بيعها كانت ضئيلة للغاية ولم تصل إلى مستويات مؤثرة في السوق.

وأشار إلى أن معظم المتعاملين اتجهوا إلى الترقب أو الشراء خلال فترة الهبوط معتبرين أن التراجع يمثل فرصة لإعادة الشراء عند مستويات سعرية أقل خاصة في ظل الاتجاه الصاعد للذهب على المدى الطويل.

أكد أن تعاملات التجار اتسمت بالحذر الشديد خلال هذه الفترة حيث تم تنظيم عمليات البيع والشراء وتجنب طرح كميات كبيرة حفاظًا على رؤوس الأموال وتقليل المخاطر الناتجة عن تقلبات الأسعار.

خروج المضاربين وعودة المستثمرين الكبار

وفي السياق نفسه أوضح أحمد معطي الخبير الاقتصادي أن أحد الأسباب الرئيسية للهبوط العنيف في أسعار الذهب يعود إلى قرارات اتخذتها بعض البورصات العالمية برفع متطلبات الهامش على تداول الذهب والفضة بهدف الحد من المضاربات قصيرة الأجل.

أشار معطي إلى أن رفع متطلبات الهامش أدى إلى خروج عدد كبير من المضاربين من السوق بعد تعرضهم لما يُعرف بنداءات الهامش وهو ما ساهم في تسريع وتيرة الهبوط خلال فترة زمنية قصيرة.

أضاف معطي أن هذه التطورات ساهمت في إعادة السوق إلى وضعه الطبيعي حيث أصبحت حركة الأسعار أكثر ارتباطًا بقوى العرض والطلب الحقيقية بدلًا من المضاربات السريعة.

أكد أن الارتداد السريع لأسعار الذهب من مستويات قريبة من 4440-4450 دولارًا للأوقية إلى ما فوق 4900 دولار يعزز احتمالات تكوين قاع سعري قوي مشيرًا إلى أن الاتجاه العام للذهب لا يزال صاعدًا على المدى الطويل.

شدد معطي على أن الذهب أداة ادخار واستثمار طويل الأجل وليس وسيلة لتحقيق أرباح سريعة داعيًا الأفراد إلى تنويع محافظهم الاستثمارية وعدم توجيه كامل مدخراتهم إلى الذهب مع تجنب الاقتراض بغرض الشراء.