تعتبر جزيرة جرينلاند، التابعة لمملكة الدنمارك، محط اهتمام متزايد في عالم الطاقة بفضل ما تحتويه من معادن نادرة واستراتيجية مثل الجرافيت والنحاس والنيكل والزنك والكوبالت، وهذه المعادن ضرورية لتقنيات الطاقة المتجددة مثل بطاريات الليثيوم والألواح الشمسية وتوربينات الرياح والسيارات الكهربائية.
الموارد المعدنية في جرينلاند
تشير دراسة حديثة لمنظمة “أوابك” إلى أن جزيرة جرينلاند تحتوي على حوالي 36.1 مليون طن من المعادن الأرضية النادرة، بينما تقدر وكالة المسح الجيولوجي الأمريكية أن حوالي 1.5 مليون طن منها يمكن استخراجها بشكل اقتصادي، ومن اللافت أن هناك 37 معدنًا من أصل 60 تصنفها الولايات المتحدة كمعادن حرجة موجودة في الجزيرة، كما تحتوي صفائحها الجليدية على نحو 7% من المياه العذبة في العالم.
تزايد الاهتمام العالمي بجرينلاند بعد أن أبدى الرئيس الأمريكي رغبة في الاستحواذ عليها رغم أنها لم تُستغل بشكل كامل حتى الآن، ويرجع ذلك إلى الظروف البيئية القاسية ونقص البنية التحتية والتحديات اللوجستية بسبب حجم الجزيرة الكبير، فهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تزيد عن 2.17 مليون كيلومتر مربع وتغطي نحو 80% منها طبقة جليدية دائمة، مما يتطلب استثمارات ضخمة.
مشروع Kvanefjeld والتحديات القانونية
يُعتبر منجم “Kvanefjeld” أحد أهم المشاريع غير المطورة على مستوى العالم، حيث يمتلك إمكانيات كبيرة ليصبح مصدراً رئيسياً للمعادن الأرضية النادرة، خاصة المعادن المغناطيسية اللازمة لتقنيات الطاقة المتجددة، وتقديرات تشير إلى أن هذا المنجم يمكن أن يعمل لأكثر من 37 عامًا، ولكن يواجه المشروع تحديات قانونية بسبب قانون برلمان جرينلاند الذي يحظر التنقيب إذا تجاوز محتوى اليورانيوم فيه 100 جزء في المليون، في حين أن تركيز اليورانيوم في منجم “Kvanefjeld” يبلغ حوالي 360 جزء في المليون.
أقرت جرينلاند قانون المناجم الجديد الذي سيدخل حيز التنفيذ في 1 يناير 2024، والذي يعد إطارًا تشريعيًا لتنظيم أنشطة الاستكشاف والاستخراج، حيث يسعى القانون إلى تقليل البيروقراطية وتعزيز الشفافية مع الحفاظ على متطلبات تقييم الأثر البيئي والاجتماعي، كما يشدد على أهمية مشاركة الشركات المحلية في مشاريع التعدين.
الاعتماد على الدعم الخارجي
تعاني جزيرة جرينلاند من قيود مالية في قطاع التعدين، حيث تعتمد بشكل كبير على الدعم السنوي من الدنمارك الذي يبلغ حوالي 511 مليون دولار، مما يمثل نحو 20% من الناتج المحلي الإجمالي للجزيرة، وهذا يضطرها للاعتماد على شركات خاصة من دول مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وأستراليا.
لتغطية تكاليف المشاريع، قدم بنك التصدير والاستيراد الأمريكي قرضًا بقيمة 120 مليون دولار لتطوير مشروع “Tanbreez” للمعادن النادرة، كما زاد صندوق التصدير والاستثمار الدنماركي حصته في شركة “Amaroq” الكندية، مما ساعد على تمويل مشاريع استراتيجية.
الشراكات الدولية والاهتمام الصيني
في نوفمبر 2023، وقعت حكومة جرينلاند مذكرة تفاهم مع الاتحاد الأوروبي لتطوير سلاسل قيمة مستدامة للمعادن الحرجة، بينما تسعى الصين إلى الحصول على المعادن النادرة من الجزيرة، حيث دخلت شركة “Leshan Shenghe” الصينية في شراكة مع حكومة جرينلاند منذ عام 2016، لكن القوانين الحالية تعيق تقدم هذه المشاريع.
التنقيب عن النفط والبعد الجيوسياسي
بدأت أنشطة التنقيب عن النفط في جرينلاند منذ السبعينيات، ولكن لم تحقق معظمها نتائج ملموسة، ووفقًا لتقرير هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، قد تحتوي الجزيرة على 31.4 مليار برميل من النفط، لكن حكومة جرينلاند قررت في 2021 تعليق إصدار تراخيص جديدة للتنقيب بسبب المخاطر البيئية والاقتصادية المرتبطة بهذا النشاط.
تتجلى الأهمية الاستراتيجية لجرينلاند في موقعها بالقطب الشمالي، حيث تُعتبر مراقبة الممرات البحرية من العوامل التي قد تساهم في تجارة النفط في المستقبل، خاصة مع بدء ذوبان الجليد.
الصراع على النفوذ الاقتصادي
توضح هذه المعطيات سبب اهتمام الولايات المتحدة بفكرة الاستحواذ على جرينلاند، حيث تمثل الجزيرة فرصة لإعادة تشكيل سلاسل إمداد المعادن الحرجة بعيدًا عن الهيمنة الصينية، مما يعزز استقلالية القرار الاقتصادي الأمريكي ويقلل من المخاطر الجيوسياسية، وهذا التوجه يتماشى مع استراتيجية الأمن القومي الأمريكية التي تهدف إلى تعزيز النفوذ في نصف الكرة الغربي، وخصوصًا في ظل التوترات العالمية المتزايدة.
تجسد جرينلاند صراعًا أكبر من مجرد مواردها المعدنية، بل تعكس تحولًا واسعًا في إعادة رسم خرائط النفوذ الاقتصادي وسلاسل الإمدادات العالمية في وقت يتداخل فيه أمن الطاقة والجغرافيا السياسية بشكل غير مسبوق.

