أثار بنك التسويات الدولية بعض المخاوف عندما ذكر في تقريره أن الذهب بدأ يفقد طابعه التقليدي كملاذ آمن، وأصبح أقرب إلى أداة للمضاربة. هذا التغير جاء بعد أن قاد المستثمرون الأفراد الموجة الأخيرة من ارتفاع أسعار الذهب.
في حديثه مع “نبأ العرب”، أكد الدكتور وائل النحاس، الخبير الاقتصادي، أن الارتفاعات المتسارعة في أسعار الذهب لا تعكس تحولًا حقيقيًا في دوره كملاذ آمن أو كاحتياطي استراتيجي للدول. بل هي في الأساس عملية منظمة تهدف إلى إنشاء سوق مضاربي واسع، مدعومة بأجندات اقتصادية وإعلامية محددة، وأبرزها الأجندة الصينية، مما أدى إلى تغيير سلوك الذهب في الأسواق العالمية.
كما أوضح النحاس أن الحديث عن توجه البنوك المركزية لاستبدال الدولار بالذهب في احتياطياتها ليس له أساس اقتصادي. واعتبر أن هذه التصريحات هي مجرد كلام للاستهلاك الإعلامي ولا تعكس الواقع الحقيقي للاحتياطيات العالمية.
وأشار إلى أن الصين، التي يُعتقد أنها المحرك الأساسي لهذا التحول، تمتلك احتياطيات نقدية تقترب من 3.2 تريليون دولار، في حين لا تتجاوز قيمة احتياطياتها من الذهب 300 إلى 350 مليار دولار، أي حوالي 10% فقط من إجمالي الاحتياطي. وتساءل عن إمكانية تغطية النسبة المتبقية في ظل محدودية المعروض العالمي من الذهب.
وأضاف أن إجمالي الذهب المستخرج منذ بداية التاريخ لا يجعله بديلًا حقيقيًا للدولار أو أساسًا لنظام احتياطي عالمي. كما أشار إلى أن احتياطي الولايات المتحدة من الذهب، الذي يتجاوز 8300 طن، لا تتجاوز قيمته تريليونًا وربع التريليون دولار، وهو رقم لا يتناسب مع حجم الاقتصاد العالمي أو احتياجات السيولة الدولية.
صناعة سوق وليس تحولًا في القيمة
أكد النحاس أن ما يحدث حاليًا هو عملية مدروسة لصناعة سوق للذهب، وليس إعادة تقييم لدوره كملاذ آمن. الهدف هو تحويل الذهب من وعاء لحفظ القيمة إلى سلعة قابلة للمضاربة والتداول المكثف.
وأوضح أن هذه الاستراتيجية تهدف إلى توسيع سوق الذهب ليشمل عشرات المليارات من الدولارات، بحيث يصبح الذهب أصلًا ماليًا نشطًا يتفاعل مع الأخبار والتوقعات وأسعار الفائدة، وليس مجرد أداة تحوط في أوقات الأزمات.
الصين تقود المضاربات لا الاحتياطيات
أشار النحاس إلى أن الصين تلعب دورًا محوريًا في ارتفاع أسعار الذهب عالميًا، وليس بدافع زيادة الاحتياطي الاستراتيجي، بل من خلال استراتيجية تجارية تهدف إلى السيطرة على سوق الذهب.
وأوضح أن الصين تسعى لإنشاء منصة تداول كبرى للذهب لتصبح إحدى البورصات الرئيسية عالميًا، مع التوسع في المشغولات الذهبية عيار 24. وأكد أن الصين لا تتعامل مع الذهب كمخزون ساكن، بل كأصل يجب تشغيله اقتصاديًا.
وأضاف أن التوسع في الذهب عيار 24 يستهدف شريحة واسعة من المستهلكين ويفتح سوقًا جديدًا ينافس الألماس، مشيرًا إلى أن الصين تفضل دخول المساحات الاقتصادية غير المستغلة بدلاً من التنافس مع اللاعبين التقليديين.
وأكد الدكتور وائل النحاس أن القفزات الكبيرة في أسعار الذهب لا يمكن اعتبارها تحركات طبيعية، بل جاءت نتيجة تغذية إعلامية مكثفة صنعت حالة من الزخم المصطنع داخل السوق.
وأشار إلى تداول أخبار غير مؤكدة عن إفلاس شركات ودخولها السوق لشراء كميات ضخمة من الذهب، بالإضافة إلى أحاديث عن تحويل أموال سياسية إلى المعدن النفيس وتقارير عن مشتريات صينية شهرية مبالغ فيها. كما ذكر تسريبات عن صفقات سرية لبنوك مركزية وصناديق سيادية لشراء مئات الأطنان، موضحًا أن هذه الأخبار تُستخدم بالتوازي مع التلاعب بتوقعات أسعار الفائدة لجذب السيولة نحو الذهب.

