في ظل الضغوط المتزايدة على فاتورة استيراد الوقود، الحكومة بدأت تتحرك لتقليل الاعتماد على الخارج، وتعتمد على زيادة الإنتاج المحلي وتحسين كفاءة التكرير وترشيد الطلب. الهدف هو تقليل واردات المحروقات بنسبة 15% بحلول عام 2026، وهذا جزء من خطة تهدف لتوفير مليارات الدولارات من النقد الأجنبي.
كريم بدوي، وزير البترول والثروة المعدنية، أكد أن هناك تنسيقًا تامًا مع وزارة الكهرباء لضمان إمدادات الطاقة لمحطات الكهرباء خلال الصيف، وأن احتياجات الدولة من الطاقة مؤمنة لمدة خمس سنوات قادمة. وأوضح أن قطاع البترول بدأ يستعيد عافيته، حيث عاد إنتاج الغاز الطبيعي للزيادة التدريجية لأول مرة منذ أربع سنوات، مع خطة لزيادة إنتاج البترول وتحقيق الاكتفاء الذاتي خلال خمس سنوات، وذلك من خلال جذب الاستثمارات وتبني تكنولوجيا إنتاج حديثة.
الخطة تهدف إلى تقليص فاتورة الاستيراد الشهرية إلى حوالي 1.7 مليار دولار خلال صيف 2026، مقارنة بمتوسط ملياري دولار في صيف 2025. كما تسعى لتقليل الفاتورة في فصل الشتاء إلى 1.36 مليار دولار بدلاً من 1.6 مليار دولار حاليًا، مما سيوفر نحو 3.2 مليار دولار سنويًا.
تشمل الخطة أيضًا زيادة ضخ النفط الخام إلى معامل التكرير بنسبة 12%، اعتمادًا على اكتشافات بترولية تم ربط عدد منها بالفعل على الشبكة القومية، وهذا سيساعد على زيادة إنتاج المحروقات محليًا وتقليل الواردات بنسبة تتراوح بين 10 و15%. كما سيتم تقليل شحنات النفط الخام والغاز المسال بنسبة 10% مع دخول حقول جديدة مرحلة الإنتاج في 2026.
بينما تعكس خطة خفض واردات الوقود بنسبة 15% توجهًا جادًا لتقليل الضغوط على النقد الأجنبي، إلا أن خبراء الطاقة والاقتصاد يرون أن نجاح هذه الخطط يعتمد على تنفيذها بشكل دقيق وتكامل السياسات، مع ضرورة الشفافية في عرض الآليات. يجب تحقيق توازن بين زيادة الإنتاج وتحسين كفاءة التكرير وترشيد الاستهلاك، دون تحميل الاقتصاد أو المواطن أعباء إضافية.
خفض الواردات.. أرقام تحتاج آلية واضحة
حسام عرفات، أستاذ هندسة البترول والتعدين، يرى أن الحديث عن خفض واردات الوقود بنسبة 15% يبقى “رقمًا مبهمًا” ما لم يكن هناك آلية واضحة للتنفيذ. يتساءل إذا كان هذا الخفض سيعتمد على زيادة الإنتاج المحلي أو ترشيد الاستهلاك، أو مزيج من الاثنين. وأكد أن أي توفير حقيقي يجب أن يقابله بديل محلي يلبي احتياجات السوق، حتى لا يتحول الأمر لتقليص قسري للاستهلاك. لتحقيق هذا التوفير، يجب اتباع مسارين رئيسيين: الأول هو ترشيد الاستهلاك كما حدث في فترات سابقة، والثاني هو زيادة الإنتاج المحلي وتحسين كفاءة معامل التكرير.
ويشدد على ضرورة أن يكون الإعلان عن أرقام مالية كبيرة مثل توفير مليارات الدولارات مصحوبًا بتفاصيل دقيقة عن كيفية تحقيق ذلك في البنزين أو السولار أو الغاز.
الهدف ممكن ولكن بشروط
محمد فؤاد، الخبير الاقتصادي، يرى أن هدف خفض واردات الوقود بنسبة 15% في 2026 قابل للتحقيق، لكن ليس بشكل تلقائي. الوصول إلى هذا الهدف يتطلب إدارة متزامنة لثلاثة مجالات رئيسية: الإمدادات المحلية، وطاقة التكرير، وترشيد الطلب. ويشير إلى أن تحقيق وفر سنوي يقترب من 3.2 مليار دولار ممكن، لكنه يعتمد على عوامل خارجية وداخلية، منها أسعار الخام عالميًا وكفاءة التشغيل في المصافي.
يضيف فؤاد أن وزارة البترول لديها عدة ركائز لتعويض خفض الواردات، مثل رفع معدلات تشغيل المصافي وتقليل الاختناقات اللوجستية، وزيادة كميات الخام والمكثفات الموردة للمصافي، وتحسين الإنتاج المحلي. كما يجب إدارة الطلب على الطاقة في قطاع الكهرباء خلال ذروة الصيف وتطبيق برامج كفاءة الطاقة لتقليل الفاقد.
هل التكرير والمصادر المتجددة وحدهما يكفيان؟
فؤاد يؤكد أن التوسع في التكرير وزيادة الإنتاج جزء أساسي من الحل، لكنهما ليسا كل شيء. التكرير دون توفر خام كاف أو انضباط في الطلب قد يحل المشكلة بشكل سطحي، وزيادة الإنتاج وحدها قد تخفف الواردات، لكنها لن تلغي الحاجة لاستيراد بعض المنتجات البترولية.
أما بالنسبة للطاقة المتجددة، فيرى الخبير أنها إضافة مهمة، لكنها لا تزال محدودة في مواجهة ذروة الطلب الصيفية، بسبب طبيعتها المتقطعة وغياب حلول تخزين فعالة. كما أن تكاليف ربط الشبكات وإدارة الأحمال تعتمد على تمويل أجنبي ومكونات مستوردة، مما يجعل جدواها مرتبطة بأسعار الصرف.

